لم تتأخر كثيراً ردود أفعال الشارع السياسي الأوروبي على هزيمة حزب الاتحاد المدني بزعامة فيكتور أوربان، أحد أهم رواد تيار القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة، في الانتخابات التشريعية المجرية يوم 12 أبريل الجاري. فبعد أسبوع واحد فقط، نظم تجمع «وطنيون من أجل أوروبا»، ثالث أكبر كتل البرلمان الاتحادي، تظاهرة في ميلانو، ضمت آلاف الأنصار من شتى أنحاء القارة.

من تصنيف القطاعات الاجتماعية التي انخرطت فيها من حيث الشكل، وقراءة السير الفكرية والسياسية للرموز التي دعت إليها وتولت قيادتها، والتأمل ملياً في مضامين الخطابات والكلمات والشعارات التي ترددت بين يديها، ندرك أن هذه التظاهرة كانت استعراضاً عاجلاً لحبل الشراكة والتشبيك العلني والمضمر، الواصل بين معظم أطياف أقصى اليمين الأوروبي.. تلك المشحونة بحمولة أيديولوجية تدور عناوينها العريضة حول الدفاع عن مفهوم «سيادة الدولة القومية».. وذلك بإقامة حوائط صد تحول، بزعمهم، دون إغراقها بموجات الهجرة واللجوء الوافدة من خارج القارة من جهة، أو تآكل تعبيراتها وقضمها لصالح بيروقراطية المؤسسات الاتحادية الزاحفة داخل القارة من جهة أخرى.

في مداخلاتهم أثناء التظاهرة، حاول منظرو التطرف اليميني الشعبوي على الصعيد القاري؛ أولئك الذين تصدروا المشهد السياسي خلال العقدين الأخيرين في بلدان كإيطاليا وفرنسا وهولندا وإسبانيا وتشيكيا واليونان..، حاول هؤلاء طمأنة أنفسهم ومريديهم إلى أن إزاحة أوربان وبطانته، مجرد حدث عرضي أو وقت مستقطع، وأن المستقبل المنظور سيحمل أخباراً سارة بشأن استئناف صعود حظوظهم في الحكم والإدارة. ويبدو أن مناوئيهم من أنصار التيار الاتحادي؛ المستعصمين بمناهضة التمييز العنصري؛ الرافضين للانتكاس إلى ما أسموه بـ«زمن الفاشية» والميول الانعزالية، قد فطنوا إلى هذه «الحالة النفسية».. آية ذلك أنهم نظموا بدورهم، بالتوازي والتزامن، تظاهرة مضادة، قيل فيها إن المتطرفين يتحايلون لأجل البقاء في دائرة الضوء.

من منظور موضوعي، علينا أن نتوقع، وإلى أجل يصعب تحديده، استمرار التنافس بين هذين التوجهين، المغموس بكثير من الجدل والتناظر والتراشق بالحجج والتبريرات،على قلب الرأي العام بمستوييه القومي والقاري.. بمعنى أن فريقاً منهما لن يغادر ميادين النزال الأيديولوجية النظرية أو السياسية الحركية بحيثية مفاجئة.. أولاً، لأن التصورات الفكرية الأيديولوجية قد تتعرض للذبول أو العجاف أوالانزواء، لكن جيناتها لا تقبل السكتة الدماغية. وثانياً، لأن التجربة الاتحادية الأوروبية، منذ بزوغها وتبلورها بعيد الحرب العالمية الثانية، لم تعدم وجود المناهضين، وسبق لها أن واجهت، بصلابة غالباً، رياحاً قومية شوفينية عاتية؛ كان آخرها وربما أبرزها الخروج (البريكست) البريطاني من عباءتها كلياً قبل بضع سنين. وثالثاً، لأن هذه التجربة نشأت ومضت في خط بياني صاعد عموماً، تحت عين وسمع وتأثير عاصمتي القوتين الوازنتين أوروبياً وعالمياً، موسكو في الشرق وواشنطن في الغرب، فليس جديداً على بروكسل الوعي بكيفية مقاومة جاذبيتهما وهيمنتهما والمروق بأكبر قدر من الأمان بينهما.. هذا رغم انقلاب سياستيهما، بشكل رأسي تقريباً، من تشجيع التجربة إبان الحرب الباردة الأولى، إلى الامتعاض منها راهناً، وهذه مفارقة مرشحة للاستمرار، وقد تجلت بعض معالمها في الأسف الروسي والأمريكي لهزيمة أوربان وبطانته مؤخراً!.. ورابعاً، لأن التدافع والتناكف بين تياري التطرف والاعتدال، بشأن قضية الوافدين الأجانب لن يحسم على الأرجح لصالح أحدهما في وقت قريب.

قناعتنا، والحال كذلك، أن أخبار التنازع المثير بين التيارين في جوف القارة العجوز سوف تحلق في آفاقنا لفترة قادمة، بيد أن الاجتهاد في مقاربة هذه الظاهرة بعقل بارد، يوحي بأن كفة المستقبل تميل أكثر إلى الاتحاديين.. ذلك بأن خصومهم «القومجيين» يعاكسون منطق الأشياء، كونهم يودون الجمع، شبه المستحيل، بين كل شعائر ومقتضيات السيادة القومية وبين منطق العمل الاتحادي الجماعي؛ الذي يقضي بالتخلي وجوباً عن بعض هذه الشعائر!. هذا دون الاستطراد إلى ما تحتمه ضغوط موسكو الصريحة من الشرق وتنمر واشنطن المبطن من الغرب، من ضرورة انحياز الأوروبيين عموماً إلى مزيد التكاتف وتنشيط مكامن القوة الذاتية وتعزيز الأطر الاتحادية، بما فيها آليات الدفاع الجماعية، وليس العكس. ثم إن المتطرفين من أنصار «أوروبا للأوروبيين فقط»، لا يملكون إجابة شافية عن الكيفية التي سيواجهون بها العجز الكمي والشيخوخة النوعية السكانية، الآخذين في التضخم قومياً وقارياً في بيوتهم، بعد ترحيل الأجانب وإغلاق الأبواب العرقية في وجوههم؟!