‏أكاد أجزم أن أكثر مفردة ترددت في الإعلام العربي في الآونة الأخيرة، هي كلمة «سردية»، غير أنه لا يبدو أننا نحسن ترويج سردية خليجية تعكس قيمنا وثقافتنا وإنجازاتنا وتطلعاتنا.

‏رغم أن «سردية» مفردة عربية بحتة، إلا أن الإعلام الغربي يستخدمها بكثرة. وقد عادت إلى شاشاتنا الصغيرة والكبيرة عربياً، بعدما كانت تدور في أروقة الصالونات الثقافية على ألسنة المثقفين. هي ليست شعراً ولا نثراً ولا رواية فحسب، بل كل ذلك مجتمِعاً. فكل من لديه حكاية تستحق التأمل فهي سردية.

وهذا لا يعني أن كل ما تسرده الشعوب صحيح، فكثير من السرديات يروج لأكاذيب، وهنا مكمن الخطورة. ففي الأزمات الكبرى، وعند التحاور مع الأجيال المقبلة، لا بد أن يكون لدينا سرديات مهمة وملهمة، لننقلها للشباب، لترسخ قيمنا في وجدانهم، وتسطر بطولاتنا وإنجازاتنا في كل قطر عربي. صحيح أن السرديات التاريخية مهمة، لكنها تعج بها الكتب والمناهج والإعلام.

ما نحتاجه هو «سردية الواقع» الذي نعيشه، فلا يعقل أن تمر مساهمات إنسانية عملاقة في إغاثة الشعوب وضعتنا في المراتب الأولى في قوائم مد يد العون، ثم لا نوثق ذلك في سرديات جميلة، صوتاً وصورة ونصاً. بعض القصص مدتها دقيقة، لكنها تجتاح العالم بأسره بمليار المشاهدات.

السردية عموماً تعني سرد دقائق الحكاية بنسق مترابط، يمنحها معنى وأثراً في ذهن المتلقي. و«المِسْرَدُ» لغة هو اللِّسانُ. وسرَد الحديثَ تعني «رواه وعرضه، وقصّ دقائقه وحقائقه سرَد القصّةَ ونحوَها».

‏كانت السردية، وما زالت، مهمة، خصوصاً في عصرنا، بعد إشاعة الأكاذيب والقصص والصور المفبركة، فحتى المختصون لا يمكنهم التفريق بين الحقيقي والمزيف. ولذلك لفتتني كلمة ارتجالية جميلة لمعالي سعيد العطر رئيس المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات، كشف فيها عن «دراسات حديثة أظهرت صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصنوع بالذكاء الاصطناعي، حيث لا يستطيع 70 في المئة من الناس التفريق بين الصورة الحقيقية والمزيفة، ما يعني إمكانية تزييف الوعي والحقيقة، إذا أسيء استخدام هذه الأدوات»، حسبما نشر في «البيان».

‏من المهم معرفة أن بعض السرديات عاطفية بحتة، وبعضها يلتزم الموضوعية، احتراماً لعقل المتلقي، وأخرى خليط بين الوهم والحقيقة، ولذلك يتطلب إعداد السردية عقل واعٍ، يصنع حكاية متوازنة، يمكن أن تدوم لعقود طويلة، ليتناقلها الناس جيلاً بعد جيل. ومن أشهر هذه السرديات لدى الشعوب، الحلم الأمريكي، والمظلومية التاريخية، وصعود الأمم بعد الأزمات، والتفوق الحضاري، والعدالة المفقودة، والتفوق الأخلاقي وغيرها.

‏شخصياً، أميل نحو صناعة السرديات الموضوعية، لأننا في عصر لا نملك فيه إمكانية خداع الناس، فبضغطة زر تنكشف الحقائق، وتتعرى الأكاذيب. فكلما كانت حكايتنا مدعمة بالأرقام والمعلومات الموثوقة، وشيء يسير من العاطفة، خرجت السردية مؤثرة في مخاطبة النفس البشرية.

العلم الحديث يقول إن العاطفة أحد عوامل الإقناع، قرأت ذلك في دراسات رصينة. لكن العاطفة لا ينبغي أن تكون عمود الخيمة فيما نسرده، فكل قصة طواها النسيان، كانت بسبب هشاشة ذلك العمود، الذي لم يدعم بالموضوعية. هذا يجرنا إلى مسألة ضرورية، وهي أن البحث عن عرض عقلاني، يتطلب جهداً ذهنياً وبحثاً لتحري الدقة، أما العاطفة والدراما، فيمكن أن يقدمها أي شخص سطحي.

‏ولذلك أرى أنه من الأهمية أن ندرب شبابنا على التكنولوجيا الحديثة، ليقدموا محتواهم بشكل جذاب، وقبل ذلك، يبقى المحتوى هو أصل الحكاية، فما أكثر المخرجين ومقدمي البرامج، لكن ما أقل الكتاب المحترفين. هذا لا يعني أن السردية تنبثق من كاتب، فكل إنسان لديه سردية، فمن عاش في جبهات القتال، ومن عايش تطور التعليم والصحة والاقتصاد والتنمية، لديه ما يقوله.

وهناك من لا تسعفه قدراته لعرض المعلومة، هنا يتطلب الأمر فريقاً احترافياً يبحث عن هؤلاء، ليرشدهم إلى كيفية انتقاء الفكرة، وطريقة عرضها ومدتها، حتى تتضافر كل هذه السرديات، لتشكل قصة وطنية ملحمية، تستحق أن يُصغى إليها على مر الأزمان.