حين قرأت خبر إنشاء صندوق المرونة الصناعية الوطني بمليار درهم، كان أول ما تبادر إلى ذهني البحث عن دول أخرى اتخذت إجراءات استباقية مماثلة منذ إغلاق مضيق هرمز في فبراير 2026، وما وجدته هو أن معظم دول العالم، بما فيها الاقتصادات الكبرى، اتجهت نحو إجراءات احتوائية تعالج العرض وتتفاعل مع الحدث بعد وقوعه؛ فألمانيا خفّضت ضرائب الوقود لشهرين، وبريطانيا راجعت خطط تقنين الوقود الطارئة وبدأت تدرس فرض سقف ثلاثين جنيهاً للتعبئة استباقاً لتداعيات بلوغ أسعار الديزل مستويات قياسية مقلقة، وسلوفينيا أصبحت أول دولة في الاتحاد الأوروبي تفرض تقنين الوقود بخمسين لتراً يومياً للسيارات الخاصة، وتظل جميعها ردود أفعال تدير أزمة آنية وتكتفي بتخفيف أثرها على المواطنين، متجاوزة الحاجة الماسة لإعادة هندسة البنية الإنتاجية تحسباً للتحولات القادمة.

القرار الإماراتي يختلف جوهرياً عن ذلك، فهو يُنشئ صندوقاً بمليار درهم لتوطين خمسة آلاف منتج حيوي، ويجعل برنامج القيمة الوطنية المضافة إلزامياً على جميع الجهات الاتحادية والشركات الوطنية، ويعتمد سياسة شاملة لدعم حضور المنتجات الإماراتية في منافذ البيع والمنصات الإلكترونية، ويُنشئ لجنة وطنية للبيانات الصناعية تدمج الذكاء الاصطناعي في التنبؤ وإدارة المخاطر، وهي حزمة اعتمدها مجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، تحمل في ظاهرها ملامح سياسة صناعية وفي عمقها إعادة هندسة للاقتصاد ليكون محصناً ضد الأزمة القادمة أياً كان شكلها، وفي الوقت الذي تتجه فيه سياسات كثيرة إلى تخفيف أثر الأزمة، يتجه هذا القرار إلى بناء قدرة طويلة المدى على امتصاصها.

القطاعات المستهدفة تكشف عمق التفكير الاستراتيجي خلف هذا القرار، من الأمن الغذائي والصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية إلى المعادن الأساسية والصناعات الميكانيكية والكهربائية والكيميائية والتكنولوجيا المتقدمة ومواد البناء، وهي قائمة تمتد من الاقتصاد إلى مفهوم الأمن القومي بمعناه الأوسع، حيث يتحول المصنع إلى خط حماية موازٍ لمنظومات الدفاع التقليدية، فالدولة التي تصنع دواءها وغذاءها ومعداتها الأساسية بقدراتها الذاتية، تملك حرية القرار حين تنقطع الطرق وتُغلق المضائق.

هذا التوجه يأتي ضمن مسار بدأته الإمارات حين استخلصت درس جائحة «كوفيد 19» مبكراً، ففي مارس 2021 وبينما كان العالم يعالج تبعات الجائحة، أطلقت استراتيجية «عملية 300 مليار» لرفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي من 133 مليار درهم إلى 300 مليار بحلول 2031، وفي عام 2024 قفزت المساهمة لتسجل 190 مليار درهم، محققة زيادة بنسبة 62 بالمئة مقارنة بعام 2020، ومقتربة بخطى واثقة من الهدف الاستراتيجي قبل موعده، وسجّل قطاع التصنيع أعلى معدل نمو بين القطاعات غير النفطية في الربع الأول من 2025 بنسبة 7.7 بالمئة، فالجائحة كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، فكان الرد استراتيجية صناعية، وأزمة هرمز أكّدت صوابية ذلك القرار، فجاء صندوق المرونة ليُعمّقه ويوسّعه.

ما يميّز القرار الأخير أنه يدمج التصنيع مع الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإنتاج والتخطيط والتنبؤ بالمخاطر منذ الخطوة الأولى، ويُنشئ منظومة بيانات صناعية موحدة تُتيح اتخاذ قرارات لحظية مبنية على معلومات حقيقية، فالإمارات تتجاوز المصانع التقليدية إلى مصانع ذكية مرنة تعمل بمنطق الثورة الصناعية الرابعة، قادرة على التكيّف مع تقلبات الأسواق والتحولات الجيوسياسية المفاجئة، وقد خصّص مصرف الإمارات للتنمية ثلاثين مليار درهم لدعم القطاعات الصناعية ذات الأولوية على مدى خمس سنوات، وهكذا تسير المنظومة التمويلية بالتوازي مع القرار السياسي.

الأثر المستقبلي لهذه الحزمة يتجاوز التصنيع إلى إعادة تعريف الأمن الاقتصادي الإماراتي ذاته، فإلزامية القيمة الوطنية المضافة تحوّل المشتريات الحكومية إلى محرّك صناعي دائم يخلق سوقاً مضمونة للمنتج الوطني، وتوطين خمسة آلاف منتج حيوي يعني أن أي أزمة مقبلة، سواء كانت حرباً أو وباء أو انهياراً في سلاسل الإمداد، ستجد اقتصاداً يملك بدائله الداخلية في الغذاء والدواء والطاقة والبناء، ودمج الذكاء الاصطناعي في المنظومة الصناعية يمنح الإمارات قدرة على استشراف الاضطرابات والتكيّف معها قبل تحولها إلى أزمات.

الإمارات تعيد تعريف علاقتها بالاقتصاد العالمي، والدولة التي احتلت هذا الأسبوع المركز الأول عالمياً في ريادة الأعمال للسنة الخامسة على التوالي، وفقاً لتقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال، تُثبت أن انفتاحها على التجارة والاستثمار يسير جنباً إلى جنب مع بناء قدرة إنتاجية ذاتية في كل قطاع يمسّ حياة مواطنيها ومقيميها وأمنهم، فكل منتج محلي يضيف طبقة حماية، وكل قرار صناعي يوسّع مساحة الخيارات، ومع تراكم هذه القرارات تتشكل سيادة اقتصادية قادرة على الصمود في أي ظرف.