يقولون إن الكلمات العظيمة هي التي تتحول إلى أفعال تغير وجه العالم، وهذا ما استوقفني تماماً وأنا أقرأ تغريدة لملهمنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حين قال: «بدأت مبادرات محمد بن راشد بالتعاون مع الشركاء العمل على أكبر مصنع وقفي للتمور في العالم.. الهدف إنتاج 150 مليون وحدة غذائية مدعمة بالتمر سنوياً مخصصة للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية ولمكافحة الجوع في المجتمعات الأقل حظاً».

حين قرأت هذه الكلمات رأيت فلسفة إماراتية عميقة، تعيد الاعتبار لهذه النخلة المباركة، التي رافقت أجدادنا في رحلة البناء، لتصبح اليوم، وبفضل هذه الرؤية، سفيرة للإنسانية ودرعاً عالمية للأمن الغذائي، ففي وحي هذه التغريدة، ومن قلب هذه الرؤية الطموحة، التي تمزج بين بركة التراث وعظمة الوقف وحداثة التصنيع، نجد أن التركيز على النخلة كرمز تراثي قد أصبح أداة استراتيجية لمكافحة الجوع العالمي، من خلال الابتكار في التصنيع الوقفي، وهذا المشروع هو منظومة وقفية مستدامة، تدمج بين العمل الخيري والتصنيع المتطور، حيث يهدف المصنع إلى تحويل التمور من منتج استهلاكي محلي إلى سلاح استراتيجي ضد الجوع العالمي، لضمان استمرارية الإمداد بعيداً عن تقلبات التمويل، فيخلق نموذجاً فريداً للعمل الإنساني المؤسسي، ويوضح قدرة الإمارات على قيادة قطاع الصناعات الغذائية المرتبطة بالتمور، مع توظيف أحدث التقنيات، لضمان أعلى معايير الجودة والأمان الغذائي، ليكون هذا المصنع بمثابة شريان حياة، يربط بين بركة الأرض واحتياجات الإنسان في أقاصي الأرض.

الوحدة الغذائية المدعمة بالتمر تشرح نفسها، فالتمر يمتلك خصائص طبيعية استثنائية (سكريات، معادن، ألياف)، وبإضافة العناصر الدقيقة والفيتامينات إليه، نقدم حلول طبية غذائية مخصصة للأطفال، الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، بحيث تكون سهلة النقل والتخزين في الظروف الصعبة، وتوفر في الوقت ذاته الاحتياجات اليومية المتكاملة للنمو، ما يجعل التمر الإماراتي الحل الذهبي لأزمات التغذية العالمية.

رؤية الشيخ محمد بن راشد تتمثل في تحريك دبلوماسية النخلة لتعمل في مكافحة الجوع في المجتمعات الأقل حظاً، حيث إن إرسال 150 مليون وحدة غذائية سنوياً هو رسالة تضامن عالمي، تنطلق من قيم الكرم والجود الإماراتي العريقين في تراثنا الأصيل، فهذا المشروع هو صياغة استجابة دولية مبتكرة للأزمات الغذائية، باستخدام التمر أداة لتمكين المجتمعات الضعيفة، فتصبح النخلة رمزاً للأمل الإماراتي، الذي يطرق أبواب المحتاجين، ما يعزز مكانة الدولة عاصمة عالمية للعمل الإنساني الممنهج، الذي يسعى لاستئصال جذور المعاناة البشرية، من خلال موارد الأرض المباركة.

نعلم كم ارتبط أجدادنا بالنخلة وعرفوا قدرتها على أن تكون محركاً اقتصادياً وبيئياً مستداماً، فلطالما كانت النخلة بالنسبة للإماراتي هي الأم التي لم تبخل يوماً، وحين نغوص في العمق الثقافي والروحي لهذه الشجرة، نجد أنها كانت توفر المسكن (السعف) والأكل (التمر) والأدوات اليومية، وهذا الارتباط هو دستور أخلاقي يعلمنا الصبر والعطاء تحت أقسى الظروف.

نعم، لقد استلهم الشيخ محمد بن راشد من هذا التراث التاريخي لبناء مشروعات عصرية، وإن إحياء دور النخلة اليوم هو إعادة اعتبار لهويتنا الوطنية التي ترى في الأرض مصدراً لا ينضب للخير إذا ما أحسننا رعايتها وتقدير قيمتها.

إضافة إلى ذلك فإن النخلة هي النموذج الأمثل للاستدامة، لا يرمى منها شيء، فنحن الإماراتيين تمكنا من تحويل كل جزء من النخلة (الجذع، السعف، النوى) إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية عالية، بدءاً من الأعلاف والوقود الحيوي، وصولاً إلى الصناعات اليدوية الفاخرة والأثاث المستدام، وهذا التوجه ينسجم مع رؤية الإمارات للمستقبل الأخضر، الاستثمار في «اقتصاد النخلة» يقلل من الهدر، ويخلق فرص عمل جديدة، ويحول الزراعة التقليدية إلى صناعة متكاملة، تدعم الاقتصاد الوطني بعيداً عن النفط، ما يجعل النخلة شريكاً حقيقياً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030.

حقاً لقد تمكنت «مبادرات محمد بن راشد» من ترسيخ مفهوم مختلف للعمل الإنساني، حيث إن المبادرات أصبحت من المؤسسات الكبرى العالمية التي تقوم على الاستدامة والتأثير طويل المدى، فمن مبادرات التعليم والصحة إلى الأمن الغذائي نرى رؤية واضحة، تسعى إلى تمكين الإنسان ومنحه أدوات الحياة الكريمة، وهذا المصنع الوقفي للتمور يأتي امتداداً طبيعياً لهذا النهج، حيث يجمع بين الفكر الإنساني العميق والإدارة الذكية للموارد، ليقدم نموذجاً عالمياً يحتذى به في كيفية تحويل العطاء إلى منظومة عمل مستمرة لا تتوقف.

بالطبع فإن التقدير أيضاً للشركاء الذين يقفون خلف هذا المشروع، لأن مثل هذه المبادرات الكبرى تقوم على تكامل الأدوار وتوحيد الجهود، حيث إن مشاركة المؤسسات، والشركات، والخبرات، والجهات الداعمة تعكس وعياً جماعياً بأهمية هذا العمل الإنساني، وتفتح الباب أمام المزيد من الشراكات التي يمكن أن تسهم في توسيع أثره عالمياً.