بوادر انقسام داخل حزب الرئيس ترامب بخصوص الحرب، طفت ملامحها على السطح داخل الكونغرس وخارجه، فالانقسام لم يعد يقتصر على تيار ترامب، الذي شهد انقساماً منذ اليوم الأول للحرب، وإنما طال نخب الحزب الجمهوري وصنّاع القرار، فرئيس لجنة الدفاع بمجلس النواب، مايك روجرز، وهو من أقوى حلفاء ترامب، بل وواحد ممن أيدوا بوضوح خوض الحرب ضد إيران، انتقد الإدارة علناً بعد سلسلة من جلسات الاستماع المغلقة التي كان يفترض أن تقدم فيها رموز الإدارة إجابات عن الأسئلة الملحّة لأعضاء المجلسين، فقد قال: «إننا نريد أن نعرف ما يجري، وطبيعة البدائل المطروحة، ولماذا تمثل البدائل التي يجب دراستها، لكننا لا نتلقى الإجابات الكافية عن تلك الأسئلة»، مضيفاً أنه حذر الإدارة من أن ذلك المنهج الذي اتبعته في علاقتها بالكونغرس من شأنه أن تكون له عواقبه إذا لم تتم معالجته.

ولعل أهم ما يملكه الكونغرس من عواقب هو التمويل، وهو ما قد يعني أن يصل الأمر لحد امتناع المؤسسة التشريعية عن تقديم الأموال اللازمة التي طلبتها الإدارة لاستكمال الحرب، والتي تصل إلى 200 مليار دولار.

والأمر لم يقتصر على روجرز، إذ بدا أن رئيس لجنة الدفاع بمجلس الشيوخ وحليف ترامب هو الآخر، روجر ويك، يوافقه الرأي، فهو حين سئل عن ما جاء على لسان نظيره بمجلس النواب قال إنه يتفهم لماذا قال ذلك. وكانت تصريحاته تنطوي على المعاني ذاتها التي جاءت على لسان روجرز، فهو قال: «نريد أن نعرف الخطة، وهم لا يعطوننا أي إجابات».

أما النائبة لورين بوبرت، وهي من أهم أنصار ترامب، فقالت إنها سئمت إنفاق الأموال في الخارج، ناهيك عن النائب توماس ميسي، الذي عارض الحرب منذ البداية. وفي مجلس الشيوخ، طالب بعض الجمهوريين بخضوع البنتاغون لرقابة حسابية قبل تخصيص الأموال، وهو ما يتهرب منه البنتاغون منذ سنوات.

ويبدو أن جلسات الاستماع المغلقة كانت عاصفة، إذ انسحبت منها غاضبة عضو لجنة الدفاع الجمهورية، نانسي ميس، وألمحت إلى أن السبب كان إشارات من رموز البنتاغون بخوض حرب برية، لتكتب على منصة «إكس» ما هو أكثر، إذ قالت إن الأسباب التي قدمتها الإدارة لخوض الحرب ليست نفسها الأهداف التي قيلت في جلسة الاستماع، وهي فجوة مثيرة لقلق عميق، وكلما امتدت تلك الحرب فإنها ستفقد دعم الأمريكيين والكونغرس.

أما نخب الحزب خارج الكونغرس، فتعاني من مأزق كشفت عنه الفعالية السنوية الأكثر أهمية، فمؤتمر العمل السياسي المحافظ المعروف اختصاراً بـ«سي باك» عقد اجتماعه السنوي هذا العام من دون حضور ترامب لأول مرة منذ عقد كامل، والمؤتمر الذي بدأت أعماله الأولى عام 1974 يحضره الآلاف من الناشطين والرموز المهمة للتيار المحافظ لمناقشة أهم القضايا على سلم أولوياته.

ومنذ أن أعلن ترامب في 2015 ترشحه للرئاسة أول مرة، بات المؤتمر مرادفاً لترامب، الذي اعتبره جمهور المؤتمر زعيماً لهم. وقد حرص ترامب على الحضور سنوياً حتى خلال السنوات التي خرج فيها من البيت الأبيض.

وغياب ترامب ونائبه هذا العام، والذي علله البيت الأبيض بتعارض المؤتمر مع جدول أعمال الرئيس بخصوص قضايا ملحّة، يأتي في لحظة يشهد فيها تيار ترامب انقساماً واضحاً بخصوص الحرب التي اعتبرها فريق فاعل منه خيانة لمبدأ «أمريكا أولاً»، الذي تعهد ترامب بمقتضاه بالامتناع عن خوض المزيد من الحروب، والتركيز بالأساس على الاقتصاد الأمريكي.

لكن اليمين الديني كان له دور مهم في المؤتمر، إذ دعا القس النافذ فرانكلين جرام للوقوف وراء ترامب، وقال إن الانقسام ليس بسبب وجود خلاف فعلي، وإنما لأن هناك من يسعى لزرع الفرقة داخل تيار الرئيس. وعلى الخط ذاته سارت رموز مهمة في إعلام اليمين اتهمت التيار المعارض للحرب بأنه يمثل اليمين المتخلف، واعتبرت أن العدو الحقيقي عدو داخلي، هو الماركسيون والاشتراكيون الأمريكيون.

اللافت في هذا المؤتمر كان الفجوة بين المتحدثين على المنصة، وبين الجمهور بالقاعة، خصوصاً بين الشباب، فحين سأل رئيس المؤتمر ما إذا كانوا سيوافقون على عزل ترامب ردت القاعة مرتين بالإيجاب! والسؤال: هل يصل الانقسام لحد تهديد فرص الحزب بانتخابات الكونغرس في نوفمبر المقبل؟