في رائعة الأدب الإسباني، يقدم لنا ثيربانتس شخصية دونكي شوت (دون كيشوت)، ذلك الرجل النبيل الذي قرأ الكثير من قصص الفروسية حتى اختلط عليه الواقع بالخيال.. فلبس درعاً صدئة، وامتطى حصاناً هزيلاً، وانطلق مع رفيقه البسيط سانشو بانزا باحثاً عن أمجاد زائفة ومعارك لا توجد إلا في رأسه، حتى انتهى به الأمر إلى محاربة طواحين الهواء ظناً منه أنها وحوش عملاقة يجب القضاء عليها.. هذه الرواية لم تعد مجرد قصة خيالية عن فارس معتوه، بل تحولت اليوم إلى متلازمة سياسية واجتماعية تضرب أطنابها لدى المتأيرنين والإخونجية، حيث تستنسخ هذه الشخصية في واقعنا المعاصر بطرق أكثر بؤساً.

جمهورية دونكي شوت، التي تعيش على الشعارات الجوفاء والبطولات الوهمية، تطل علينا دائماً بمسرحيات هزلية لا تنتهي.. ففي ظل غياب الإنجازات الحقيقية، وتراجع سردية الدولة الوطنية، يخرج علينا المأجورون والمتاجرون بالشعارات ليبحثوا عن أي معركة تليق بصورة البطل الذي يتوهمونه في أحلامهم المريضة.. وعندما تعجز هذه الجمهورية عن مواجهة أزماتها الداخلية، وتفشل لغتها الرسمية في تفسير الواقع المرير الذي تعيشه شعوبها، لا تجد أمامها سوى الهروب إلى الأمام وخلق أعداء من فراغ.

جمهورية دونكي شوت، ولأن الفراغ في السياسة لا يدوم طويلاً، سرعان ما تملأ المشهد بالصوت الأعلى والصراخ الأجوف بدلاً من الحقيقة العميقة.. هكذا تُخترع الأوهام وتُحول إلى واقع مشوّه، وهكذا يصبح البعض في وطننا العربي نسخاً مشوهة من «دونكي شوت»، يبحثون عن سرديات الوهم، ويخلقون أعداء من خيالهم، ليصنعوا من طواحين الهواء وحوشاً كاسرة يبارزونها بسيوف من خشب.

جمهورية دونكي شوت، التي تدير غرف عملياتها من خلف شاشات الهواتف الذكية، تضخ سيلاً من الشائعات ونظريات المؤامرة والمشاعر الغاضبة.. هذا الدفق المعلوماتي المسموم لا ينتج معرفة، بل يزرع الخوف والغضب والإحساس الدائم بخطر قادم حتى وإن لم يكن له وجود.. وعندما يشعر الناس بالتهميش والضياع، ينساقون وراء هذه المعارك الرمزية، ويحاربون أعداء متخيلين بكل حماس، ما يستهلك طاقة المجتمع، ويخلق حالة من الاستقطاب المقيت، ويفتح الأبواب مشرعة أمام نزعات التطرف التي تقدم إجابات ساذجة لأسئلة معقدة.

جمهورية دونكي شوت لا تدرك أن الخطر الحقيقي ليس في وجود طواحين الهواء، بل في استعداد المجتمع لمحاربتها.. فالمجتمع الذي ينشغل بمقارعة الأوهام يفقد بصيرته، ويهدر وقته وطاقته في معارك جانبية، بينما تمر الأخطار الفعلية بهدوء من خلفه وتحت قدميه.

إن الدولة القوية ليست تلك التي تملك السلاح فقط، بل هي التي تملك قصة واضحة وسردية وطنية متماسكة تشرحها وتدافع عنها.. فالسردية ليست ترفاً سياسياً، بل هي أداة أمن وطني متى ما فهمنا معناها الحقيقي، وهي الخط الفاصل بين مجتمع يعرف عدوه الحقيقي، ومجتمع يبحث كل يوم عن طواحين هواء جديدة ليحاربها.

ختاماً، ربما لم يكن «دونكي شوت» أحمق كما كنا نعتقد، بل كان ضحية فراغ في المعنى، ونحن اليوم لسنا بعيدين عنه كثيراً.. لأن أخطر ما في زمننا ليس كثرة الأعداء، بل كثرة الأوهام عنهم، وليس ضعف الشجاعة، بل سوء توجيهها، وليس غياب الفرسان، بل وجودهم في معارك لا وجود لها أصلاً.