في عالم تتسارع فيه التحولات أكثر مما تُتاح فيه فرصة التوقف للتأمل، لم تعد التنمية تُدرك بوصفها مساراً اقتصادياً نمطياً، بل أصبحت إعادة صياغة شاملة لطريقة تفكير الدول في مستقبلها. من هذا المنظور، يبرز مؤشر المعرفة العالمي ليس بوصفه أداة قياس فحسب، بل كونه منظومة فكرية تعيد حوكمة العلاقة بين المعرفة والتنمية، وتضع الحكومات أمام سؤال جوهري: كيف تُبنى الجسور التي تمكّن الدول من تحقيق انتقال منضبط نحو المستقبل؟

في جوهره، يقدم المؤشر قراءة معمقة لأداء 195 دولة عبر 6 أبعاد مترابطة تشكل البنية التحتية الحقيقية لأي اقتصاد معرفي: «التعليم قبل الجامعي، التعليم التقني والمهني والتعليم العالي، البحث والتطوير والابتكار، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الاقتصاد، ثم البيئة والمجتمع والحوكمة». هذه الأبعاد لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل، وفي الوقت ذاته تتداخل فيما بينها لتكشف مستوى نضج المنظومة المعرفية في كل دولة، وقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة تنموية مستدامة.

لكن القيمة الأعمق للمؤشر لا تكمن في «ماذا يقيس»، بل في «كيف يعيد بناء الأسئلة». فهو لا يكتفي برصد الواقع، بل يفتح نافذة على المستقبل، ويقدم قراءة استشرافية متقدمة تساعد صنّاع السياسات، ومُتخذي القرارات على تشخيص الفجوات البنيوية في منظومات التعليم والابتكار والحوكمة، وكيف يمكن إعادة تشكيلها بهدف تحويلها إلى مسارات نمو جديدة، ذات تأثير إيجابي ملموس.

يأتي هذا المؤشر امتداداً طبيعياً لمشروع المعرفة الذي انطلق عام 2008 كمبادرة مشتركة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، بهدف بناء مجتمعات معرفية مزدهرة في العالم العربي وخارجه. ومع شراكة استراتيجية مميزة، اتسع نطاق العمل ليشمل توطين المعرفة، وتنمية المهارات، وتطوير رؤى قائمة على البيانات، بما يعزز التحوّل نحو اقتصادات قائمة على الابتكار والمعرفة.

في صميم هذه الرؤية، تتجلّى رسالة واضحة مفادها: تمكين الحكومات والأفراد والمجتمعات من الوصول إلى المعرفة وتوظيفها كأداة للتغيير الإيجابي. إنها رؤية تتعامل مع المعرفة بوصفها حقاً عاماً، لا مورداً محدوداً، وتسعى إلى جعلها محركاً رئيساً للتنمية، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (أجندة 2030).

تتجسد هذه الرؤية عبر 3 مسارات رئيسة: بناء أنظمة معرفية قوية من خلال أدوات رصد وتحليل مثل مؤشر المعرفة العالمي وتقارير استشراف المستقبل ومؤشر القراءة العربي؛ وتمكين الأفراد بمهارات المستقبل عبر مبادرات تعليمية تستهدف ملايين المتعلمين لسد الفجوة الرقمية وتعزيز جاهزية سوق العمل؛ ثم تعزيز الحوار العالمي حول المعرفة من خلال منصّات مثل قمة المعرفة، وأكاديمية مهارات المستقبل، وحوارات المعرفة، وأسبوع المعرفة، وملتقى شباب المعرفة، بما يوفر فضاءً عالمياً لتبادل الخبرات وصياغة حلول مبتكرة للتحديات المعاصرة.

وسط هذا المشهد المعرفي المتكامل، تبرز التجربة الإماراتية بوصفها قراءة مختلفة في معنى التنمية ذاته. فتصدّر دولة الإمارات المركز الأول عربياً في مؤشر المعرفة العالمي لا يمكن اختزاله في ترتيب رقمي، بل يعكس مساراً استراتيجياً طويل الأمد تعامل مع المعرفة باعتبارها بُنية تحتية وطنية، لا مجرد قطاع دعم.

لقد نجحت دولة الإمارات في تحويل المعرفة إلى ممارسة مؤسسية شاملة؛ تبدأ من التعليم، وتمتد إلى الاقتصاد، وتنعكس في جودة الخدمات، وتترسخ في سياسات الحوكمة واستشراف المستقبل.

وما يميز هذه المقاربة أنها لم تتعامل مع المعرفة بوصفها حصيلة تعليمية فحسب، بل كمنهج لإدارة الدولة، وأداة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والتنمية. ففي هذا السياق، لا يكون الإنسان مجرد مستفيد من التنمية، بل شريك فاعل في بنائها، بينما تعود التنمية بدورها لتُعيد تشكيل قدراته ومعارفه ومهاراته. وهكذا تتشكل علاقة دائرية متجددة، يتغذى فيها كل طرف على الآخر ضمن مسار مستمر من التأثير والتأثر.

هذه المقاربة جعلت من التجربة الإماراتية حالة فريدة في المنطقة؛ إذ تتحول السياسات إلى منصات للتعلم المستمر، وتصبح المؤسسات بيئات إنتاج معرفي، ويتحول المجتمع إلى شريك في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ له. وهكذا تصبح المعرفة ليست هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة هندسة الواقع نفسه.

ختاماً نقول.. لا يكتفي مؤشر المعرفة العالمي بتقديم صورة للواقع، بل يعيد توجيه التفكير نحو ما ينبغي أن يكون. إنه لا يمنح الدول إجابات جاهزة، بل يدفعها إلى إعادة النظر في منطلقاتها التنموية ذاتها. وهنا تتجلّى الحقيقة الأهم في أن التقدم لم يعد يُقاس بما تمتلكه الدول من موارد، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى طاقة فاعلة تصوغ مستقبلها وتعيد تشكيل مسار تنميتها بثقة ووعي.