ارتبط الموسيقار المصري المعروف كمال الطويل (1922 ـ 2003) بصداقة ورفقة عمر مع العندليب عبدالحليم حافظ، منذ تعارفهما على مقاعد الدراسة بمعهد الموسيقى، وكان من نتائج هذه الصحبة التي استمرت لسنوات طويلة بعد تخرجهما، أن الطويل، بحكم وظيفته كمراقب للموسيقى بدار الإذاعة المصرية، ساعد العندليب ووضعه على أول طريق الشهرة بأن فتح له الباب ليغني من الإذاعة إيماناً بموهبته، في وقت كان الكثيرون يتهربون منه، طبقاً لما رواه الطويل بنفسه في مقال كتبه بمجلة «الكواكب» سنة 1957.
وكان من نتاج تلك العلاقة أيضاً أن العندليب غنى من ألحان الطويل مجموعة من أشهر أغانيه العاطفية مثل: «بتلوموني ليه»، «بيع قلبك»، «حلفني»، «حبيب حياتي»، «صدفة»، «على قد الشوق»، «في يوم في شهر في سنة»، «في يوم من الأيام»، «أبوعيون جريئة»، «لا تلمني»، «هي دي هي»، «نعم يا حبيبي»، «بعد إيه»، «جواب»، «بلاش عتاب»، وغيرها. علاوة على ذلك، غنى حليم من ألحان الطويل مجموعة من أشهر أغانيه الوطنية مثل: «بالأحضان»، «أحلف بسماها»، «بركان الغضب»، «حكاية شعب»، «ابنك يقولك يا بطل»، «ياجمال يا حبيب الملايين»، «ناصر ياحرية»، «صورة»، «المسؤولية»، وغيرها.
لكن الصداقات، مهما كانت وثيقة، قد لا تعمر أحياناً إلى الأبد بسبب تبدل الظروف والتوجهات والمشاغل، أو بسبب الغيرة والنميمة خصوصاً في عالم الفن المليء بالقيل والقال والتنافس والحسد. وهذا ما حدث لعلاقة الرجلين التي شابتها خلافات، لئن أدت إلى توقف تعاونهما، إلا أنها لم تؤدِ إلى القطيعة.
في الأسباب، قيل إن الطويل توقف عن التعاون مع العندليب احتجاجاً على تدخلاته في الألحان التي كان يخصصها له (مثل ما حدث في حالة أغنية «خلي للحزن نهاية» من كلمات عبدالرحمن الأبنودي والتي لم ترَ النور بسبب مرض عبدالحليم وسفره للعلاج)، وأيضاً انزعاجاً من إصرار عبدالحليم على لعب دور المايسترو أثناء البروفات بدلاً من الملحن. وهناك من قال إن أسباب الخلاف تعود إلى اقتناع عبدالحليم بفكرة بليغ حمدي حول تحويل الأغاني الفولكلورية والشعبية إلى أغانٍ عصرية يلحنها الأخير له مثل «على حسب وداد» و«سواح»، وبالتالي انصراف العندليب عن الرومانسيات الجميلة التي أشهرته وخلقت منه نجماً.
لكن المؤكد أن الطويل، مرّ بفترة من الإحباط بعد هزيمة حزيران 67، كره فيها التلحين سواء لعبدالحليم أو غيره، بل كره نفسه لإقدامه على تلحين أغنيات حماسية تمجد النظام الذي أورث الهزيمة، وهو ما تجلى في ابتعاده عن الوسط الفني وتصريحه بأنه «قرفان وزهقان من الفن»، ثم قيامه بمراجعة فكرية أدت إلى انضمامه إلى «حزب التجمع» اليساري، ثم انتقاله إلى «حزب الوفد»، وحصوله على مقعد برلماني، بينما بقي العندليب متمسكاً بمواقفه السياسية التي منحته لقب «مطرب الثورة» وقربته من رجال السلطة.
ومن المفيد هنا أن نشير إلى حوار أجراه الإذاعي الراحل وجدي الحكيم مع عبدالحليم في برنامج «منتهى الصراحة» في يوليو 1973، والذي قال فيه عبدالحليم رداً على سؤال حول خلافه مع صديق عمره كمال الطويل: «أنا زعلت من كلمة قالها، إنه زهق أو قرف من الوسط الفني، كلمة كبيرة إنها تطلع من إنسان زي كمال الطويل، لأن الفن هو اللي عمله، وكل علاقاته مع الفنانين، وهو بيعمل أغاني ويديها للإذاعات، وبالتالي فهو مضطر يتعامل مع الوسط اللي هو قرفان منه».
ومما نشرته الصحافة المصرية بعد حرب أكتوبر 1973 أن عبدالحليم حاول إخراج الطويل من عزلته، بأن عرض عليه تلحين أغنية «عاش اللي قال الكلمة المناسبة في الوقت المناسب» كتحية للرئيس السادات بمناسبة العبور، لكن الطويل رفضها بمجرد قراءة السطر الأول منها قائلاً: «لن ألحن بعد اليوم أي قصيدة في مدح شخص مهما كانت عظمته». ويقول هشام عيسى الطبيب الخاص لعبدالحليم إن الطويل اقترح على العندليب بدلاً من ذلك أن يلحن له أغنية «الباقي هو الشعب» من كلمات سيد حجاب، لكن عبدالحليم رفضها بحجة أن كاتبها شيوعي.