استكمالاً لحديث الأمس، فإن الرد الخليجي المطلوب على العدوان الإيراني والأزمة التي خلقتها طهران بإغلاق مضيق هرمز لا يجب أن يكون عاطفياً. الرد الحقيقي هو أن تُترجم الأزمة إلى قواعد جديدة.

لا يكفي وقف إطلاق النار إذا بقيت الصواريخ، لا تكفي التهدئة إذا بقيت الطائرات المسيّرة، لا يكفي فتح المضيق مؤقتاً إذا ظل قابلاً للإغلاق عند أول مأزق سياسي.

وقد نقلت «رويترز» عن مصادر خليجية أن دول الخليج أبلغت واشنطن بأن أي اتفاق مع طهران يجب ألا يكتفي بإنهاء الحرب، بل يجب أن يقيّد بصورة دائمة قدرات إيران الصاروخية ومسيّراتها، وأن يضمن ألا تُستخدم إمدادات الطاقة والملاحة العالمية كسلاح مرة أخرى، وهذا هو جوهر المسألة.

اللغة الدبلوماسية ضرورية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء للغموض، مضيق هرمز ليس ملكية سياسية لأي نظام إنه شريان عالمي، ومن يهدده يجب أن يدفع ثمناً سياسياً وقانونياً واقتصادياً.

حيث عبّرت معالي ريم الهاشمي، وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي، عن هذه الحقيقة بوضوح حين وصفت المضيق بأنه «منفعة عامة»، مؤكدة أن تسليحه يضر الجميع، وأن شعوب الخليج لا يجوز أن تؤخذ رهينة لسلوك نظام يهدد الجوار والملاحة.

إن الجرأة اليوم ليست في قرع طبول الحرب فقط، بل في رفض الابتزاز.

الجرأة هي أن نقول إن استهداف سفينة مدنية ليس مقاومة وإغلاق ممر دولي ليس سيادة، وتهديد محطات الطاقة والمياه ليس سياسة خارجية، وتحويل الجغرافيا إلى رهينة ليس قوة.

وفي المقابل، تكشف الإمارات نموذج القوة الهادئة قوة دولة بنت قبل العاصفة لا خلالها، دولة أدركت أن الأمن يبدأ من المدرسة والجامعة والميناء والمطار ومركز البيانات والصندوق السيادي وخط الأنابيب واتفاقية التجارة، قبل أن يصل إلى منظومة الدفاع.

دولة لم تنتظر الخطر كي تكتشف أهمية الشركاء، بل بنت شبكة شراكات تجعل عزلها مستحيلاً وكسرها مكلفاً.

الأزمة الحالية ستنتهي، كما تنتهي كل الأزمات. لكن السؤال الأهم: من سيخرج منها أقوى؟ الدول التي بنت اقتصاداً متنوعاً، ومالاً سيادياً، وبنية تحتية عالمية، وشراكات موثوقة، ستخرج وهي أكثر حضوراً. أما الذين راهنوا على الخوف، فسيكتشفون أن الخوف لا يبني مستقبلاً، وأن الصواريخ لا تصنع اقتصاداً، وأن المضائق لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدولة.

الخليج لا يطلب من العالم مجاملة. إنه يطلب قاعدة بسيطة، لا يجوز أن يصمت أمام من يهدد التجارة العالمية، ولا أن يُساوي بين من يبني الموانئ ومن يزرع الألغام، ولا أن تترك شعوب المنطقة رهينة لدورة ابتزاز تتكرر كلما ضاق الخناق على طهران.

أما الرسالة الأوضح من هذه الأزمة فهي أن الاستقرار ليس هبة، بل مشروع ومن لا يستثمر في مشروع الاستقرار، سيدفع كلفة الفوضى.