الأمم عبر تاريخها نسجت أساطير وروايات عن نهايات الأزمنة وبداية العدل الموعود.. هذه القصص جزء من الذاكرة الثقافية للبشر، ظهرت في حضارات كثيرة، وبصور مختلفة. المشكلة لا تكمن في الحكايات القديمة، ولكن عندما تتحول هذه الحكايات إلى عدسة يرى بها بعض الناس الواقع، وإلى بوصلة توجه بها بعض الجماعات مواقفها وسياساتها.. عند هذه اللحظة تتحول الرواية إلى قوة خفية، تؤثر في التفكير والسلوك، بدلاً من أن تبقى محفوظة في الكتب.

في بعض كتب التراث التي تناولت أحداث آخر الزمان، ترد روايات تتحدث عن شخصيات غامضة وصراعات كبرى تسبق ظهور العدل الموعود.. هذه الروايات لم يثبت أن وقوعها حتمي، ولا يوجد اتفاق علمي على صحة كثير من نصوصها.. ومع ذلك، ما زالت تجد طريقها إلى عقول البعض، فتتحول من مادة تراثية قابلة للنقاش، إلى مفاتيح لتفسير السياسة والواقع.

هنا تكمن المشكلة الحقيقية، فحين يقتنع بعض الناس بأن التاريخ يتحرك وفق سيناريو غيبي مكتوب سلفاً، يصبح من السهل تفسير كل حدث سياسي أو عسكري، على أنه علامة من علامات ذلك السيناريو.. فإذا اندلع صراع في مكان ما، قيل إن هذه هي البداية، وإذا ظهر قائد من جهة معينة، قيل إن الروايات القديمة تحدثت عنه، وإذا تحركت جماعات في مناطق مختلفة، قيل إن الأحداث تسير وفق ما ورد في تلك النصوص.

الخطورة في هذا التفكير أنه يعطل العقل، فبدلاً من تحليل أسباب الصراعات الحقيقية، مثل التنافس على النفوذ، أو الصراعات الطائفية، أو المصالح الاقتصادية، يصبح التفسير هو أننا نعيش في زمن العلامات الكبرى. وعندما تختزل السياسة في نبوءات، يصبح الحوار أكثر صعوبة، لأن من يعتقد أنه يؤدي دوراً في خطة غيبية، لن يرى نفسه مضطراً إلى التسوية أو التفاهم.

منطقتنا شهدت خلال العقود الأخيرة نماذج متعددة لهذا النوع من التفكير، بعض الجماعات استحضرت روايات قديمة لتعبئة الأنصار، وبعض الخطابات السياسية لم تتردد في استدعاء صور الملاحم الكبرى لتفسير الأحداث.. في تلك اللحظة، تتحول الأسطورة إلى أداة تعبئة سياسية، ويصبح الصراع أكثر حدة، لأن القضية لم تعد خلافاً سياسياً أو صراع مصالح، وإنما معركة يعتقد أصحابها أنها جزء من قدر تاريخي كبير.. والنتيجة أن المنطقة تدخل في دوامة من التوترات والحروب، يغذيها هذا النوع من الخطاب، فعندما يُصوَّر الخصم على أنه جزء من صراع كوني، أو رمز للشر في رواية كبرى، يتحول القضاء عليه إلى مهمة مقدسة في نظر أتباع هذا الخطاب.

التاريخ يقدم لنا دروساً تثبت أن الأمم التي تبني سياساتها على الأساطير، تجد صعوبة في بناء مستقبل مستقر.. السياسة تحتاج إلى تفكير عقلاني وحسابات دقيقة، ولا تقوم على التأويلات الغيبية، فالعالم يتحرك وفق مصالح وقوى وتوازنات اقتصادية وسياسية معقدة، وليس وفق سيناريوهات الملاحم.

هذا الحديث لا يُقصَد منه التقليل من شأن المعتقدات الدينية أو التراث الروحي للشعوب، فلكل مجتمع حقه في الإيمان بما يشاء.. المشكلة تظهر عندما يتحول الإيمان إلى مشروع صراع أو برنامج سياسي.. هنا تختلط الحدود بين الدين والسياسة، ويصبح من الصعب إيقاف دوامة التوتر.

البشرية اليوم في حاجة إلى خطاب يعيد الاعتبار للعقل والواقعية، فبدلاً من انتظار شخصيات أسطورية تغيّر مجرى التاريخ، يجدر بالناس أن ينشغلوا ببناء دول قوية ومجتمعات مستقرة، التاريخ تصنعه الشعوب حين تختار طريق التنمية والعلم والتعاون، لا حين تنتظر تحقق روايات غامضة.

إن أكبر خطر في هذه الخرافات، لا يكمن فقط في ضعف أساسها التاريخي، وإنما في أنها تسلب الإنسان قدرته على التفكير الحر، فهي تقدم تفسيراً جاهزاً لكل شيء، وتقنع البعض بأن ما يحدث قدر محتوم لا يمكن تغييره.

عالمنا لا يحتاج إلى انتظار تحقق نبوءات غامضة، وإنما إلى بداية جديدة لزمن العقل، فالحروب التي نشهدها اليوم، ليست فصولاً في روايات الملاحم، وإنما هي نتائج لخيارات بشرية يمكن تغييرها عندما يمتلك الناس الشجاعة للنظر إلى الواقع كما هو، بعيداً عن تأثير الأساطير.

ابحثوا عن شخصيات ينتظر البعض ظهورها، وأحداث ينتظر البعض وقوعها، وستعرفون أن هناك من يعيش تحت تأثير الأساطير أكثر مما يعيش على أرض الواقع.. هذه هي المشكلة.