الحروب تختبر الدول، فساعة الخطر لا تمنح الدول وقتاً لبناء الموانئ، ولا لتوقيع الشراكات، ولا لتنويع الاقتصاد، ولا لتأسيس صناديق سيادية، ولا لتدريب الجيوش، ولا لبناء الثقة مع الأسواق. ساعة الخطر تكشف من استعدّ، ومن اكتفى بالشعارات. لهذا تبدو الأزمة الراهنة في الخليج أكثر من مواجهة عسكرية أو بحرية، إنها اختبار مكشوف لفكرة الدولة الحديثة في الشرق الأوسط، دولة تستثمر لعقود كي تملك حرية القرار، ودولة أخرى تلوّح بالمضائق والصواريخ والطائرات المسيّرة كي تعوّض عجزها عن التنمية، وبين النموذجين لا توجد مساحة رمادية كبيرة.
ما فعلته إيران عبر تهديد الملاحة واستهداف السفن المدنية، وتحويل مضيق هرمز إلى ورقة ابتزاز، ليس «رسالة سياسية»، إنه اعتداء مباشر على الاقتصاد العالمي. ووفق تتبعٍ نشرته «رويترز» حتى تاريخه تعرضت 22 سفينة مدنية على الأقل، في ممر يمر عبره تقريباً خُمس تجارة النفط والغاز المسال في العالم. وهنا يجب قول ما لا يحب كثيرون سماعه: أمن الخليج لم يعد شأناً خليجياً فقط.
من يهدد هرمز لا يهدد أبوظبي والرياض والكويت والدوحة والمنامة ومسقط وحدها، بل يهدد طوكيو ونيودلهي وبكين وسيئول وأوروبا وأسواق التأمين والشحن والغذاء في العالم كله.
وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط أي قرابة 25 % من تجارة النفط المنقولة بحراً تعبر هرمز، وأن نحو 96 % من صادرات الإمارات من الغاز المسال و93 % من صادرات قطر من الغاز المسال تمر عبره، هذه ليست أرقام طاقة فقط، إنها أرقام أمن عالمي.
والوجه الآخر للأزمة لا يقل أهمية، لقد أثبتت الإمارات ومعها دول خليجية عدة أن الاستعداد الاستراتيجي ليس ترفاً. فمنذ عقود لم تتعامل الإمارات مع الثروة النفطية كغنيمة عابرة بل كرأس مال تأسيسي لبناء اقتصاد أوسع من النفط وأقوى من تقلباته، ففي 2024 بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للإمارات 1.776 تريليون درهم، بنمو 4 % فيما شكّلت القطاعات غير النفطية 75.5 % من الاقتصاد الوطني. هذه النسبة وحدها تختصر قصة التحول لدولة نفطية نجحت في ألا تكون رهينة النفط.
والتنويع هنا ليس عنواناً في وثيقة حكومية إنه أرقام في التجارة، وحركة في الموانئ، وثقة في الأسواق. فقد تجاوزت تجارة الإمارات غير النفطية في 2025 حاجز تريليون دولار، مسجلة نحو 3.8 تريليونات درهم، بنمو 27 % عن 2024، فيما بلغت الصادرات غير النفطية 813.8 مليار درهم بنمو 45.5 %. هذه أرقام لا تولد في اقتصاد مرتبك، بل في اقتصاد يعرف أين يريد أن يكون. وليس مصادفة أن تدخل الإمارات في 2025 قائمة أكبر عشرة مصدرين للسلع في العالم لأول مرة، وفق بيانات منظمة التجارة العالمية، وأن تصل تجارتها في السلع والخدمات إلى 6.014 تريليونات درهم.
في لحظة يتحدث فيها العالم عن الحماية وسلاسل الإمداد الهشة والحروب التجارية، تظهر الإمارات كحالة معاكسة، بلد صغير بالمساحة، كبير بالشبكات، يحوّل الموقع الجغرافي إلى منصة عالمية لا إلى لعنة جيوسياسية. هذا هو الفارق بين من يبني الممرات ومن يهدد بإغلاقها. بين من يستثمر في الموانئ والمناطق الحرة والاتفاقيات التجارية، ومن يستثمر في الألغام البحرية وبين من يوسّع الاقتصاد، ومن يضيّق المضائق.
وتكفي قراءة نتائج «دي بي ورلد» لعام 2025 لفهم معنى البنية التحتية حين تتحول إلى قوة وطنية ناعمة وصلبة في آن واحد فقد أعلنت الشركة إيرادات قياسية بلغت 24.4 مليار دولار، وأرباحاً تشغيلية معدلة بلغت 6.4 مليارات دولار، مع مناولة 93.4 مليون حاوية نمطية عبر محفظتها العالمية. هذه ليست شركة موانئ فقط إنها شبكة نفوذ اقتصادي تربط الخليج بالعالم، وتجعل تعطيل التجارة في نقطة ما أقل قدرة على شلّ الاقتصاد كله.
وفي الطاقة حيث يظن البعض أن الخليج مكشوف بالكامل أمام هرمز، تكشف الأرقام عن سنوات من التفكير الاحترازي. فوكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن لدى الإمارات مسارات بديلة مهمة، بينها خط أنابيب أبوظبي الفجيرة، الذي يمتد 400 كيلومتر، بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يومياً. صحيح أن البدائل لا تعوض هرمز بالكامل، لكنها تبرهن أن التخطيط الاستباقي يخفف أثر الابتزاز ولا يترك القرار الوطني عارياً أمام الجغرافيا.
أما في المال، فالقصة أن أعمق الصناديق السيادية الخليجية لم تعد مجرد خزائن تحفظ فوائض النفط بل أصبحت أدوات لصناعة المستقبل. ووفق تصنيف Global SWF المحدث في أبريل 2026، تبلغ أصول جهاز أبوظبي للاستثمار 1.187 تريليون دولار، ومؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية 429 مليار دولار، ومبادلة 385 مليار دولار، و«لعماد» 300 مليار دولار. هذه الأرقام ليست زينة مالية إنها خط دفاع اقتصادي، ورافعة نفوذ، وشبكة أمان للأجيال.
وللتكنولوجيا نصيب، لم تنتظر الإمارات أن يصبح الذكاء الاصطناعي موجة عالمية ثم تلحق بالركب. بادرت واستثمرت في البنية الرقمية، والشراكات، والحوكمة، ورأس المال البشري. حيث أعلنت مايكروسوفت أنها ستستثمر 15.2 مليار دولار في الإمارات بين 2023 و2029، تشمل استثماراً في G42، وبنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. هذه الشراكات لا تعني شراء التكنولوجيا بل تعني أن الإمارات تريد أن تكون جزءاً من هندسة الاقتصاد الرقمي لا مجرد مستهلك له.
وفي الطاقة النظيفة، تمثل «مصدر» نموذجاً آخر لفهم الإمارات للأمن بمعناه الواسع. فقد أعلنت الشركة في يناير 2026 أن محفظتها من الطاقة المتجددة بلغت 65 جيجاواط، مع هدف الوصول إلى 100 جيجاواط 2030، واستثمارات بلغت 45 مليار دولار حتى الآن، مع خطط لضخ 30 إلى 35 مليار دولار إضافية خلال هذا العقد.
من يقرأ هذه الأرقام بجانب أزمة مضيق هرمز، يفهم أن أمن الطاقة في القرن الحادي والعشرين لا يُحمى بالناقلات وحدها، إنما بالتنويع والابتكار والاستثمار طويل الأمد.
وللحديث بقية