الرئيس اللبناني جوزيف عون، في خطابة الأخير وضع النقاط على الحروف: «لبنان لا تابع ولا ساحة». في كل مرة يطرح السؤال بإلحاح في كل منعطف لبناني حاد، هل يمكن مخاطبة قيادة «حزب الله» بالعقل السياسي الذي يقوم على حسابات الدولة ومصالح المجتمع، أم أن هذا النداء يقع خارج بنية تنظيم تشكل أصلاً على فكرة تتجاوز حدود الوطن وامتلاك الحقيقة المطلقة؟، هذا السؤال لم يعد نظرياً، بل فرضته وقائع متكررة تتجسد اليوم في مشاهد النازحين من الجنوب ثم العائدين إليه، في حركة دائبة تختصر كلفة الخيارات التي اتخذها الحزب. هذه الطوابير البشرية التي تنتمي في غالبيتها إلى البيئة الاجتماعية للحزب، تعكس مفارقة صعبة: جمهور يتحمل الخسارة، وقيادة تعيد تعريفها، فبين الواقع كما يعاش، والخطاب كما يقدم، مسافة تتسع كلما اشتدت الأزمات.. هنا تتعطل أدوات العقل، لأن النقاش لا يدور حول الوقائع، بل حول سرديات تعاد صياغتها لتبريرها. منذ صعود «حزب الله» لاعباً مركزياً، دخل لبنان في مسار استنزاف متعدد الأبعاد.. تراجعت سيادة الدولة وتعمق الانقسام المجتمعي وتآكل الاقتصاد حتى وصل إلى حافة الانهيار.. لم يكن ذلك وليد لحظة، بل نتاج تراكمات شاركت فيها عوامل عدة من بينها استثمار المظلومية الاجتماعية وتسييس العقيدة، وبناء شبكة مصالح مادية، واحتكار التمثيل السياسي، إلى جانب خطاب تعبوي يخلط بين الواقع والوهم. هذا التداخل صنع ظاهرة يصعب تفكيكها بأدوات السياسة التقليدية، فالحزب ليس مجرد فاعل سياسي يمكن التفاهم معه وفق قواعد الدولة، ولا هو فقط قوة عسكرية يمكن احتواؤها، بل هو كيان مركب يستند إلى مرجعية خارجية فاعلة، هذه الازدواجية تمنحه قدرة على الاستمرار حتى عندما تتعارض خياراته مع المصلحة الوطنية اللبنانية.

بالعودة إلى خطاباته، يلحظ المتابع حجم الوعود التي صيغت لجمهوره، وحجم الفجوة بينها وبين الواقع.. رفع شعار تحرير فلسطين، لكن النتيجة كانت دماراً واسعاً في غزة، وامتداداً للصراع ألحق أذى مباشراً بلبنان، وقيل إن الردع قائم، لكن الوقائع أظهرت أن كلفته البشرية والمادية تتزايد على المجتمع الذي يفترض حمايته.

في هذا السياق، تتجلى أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الخطاب. حين يقدم الكلام بوصفه بديلاً عن الفعل، وحين تتحول الخسارة إلى انتصار بمجرد الإعلان، فإن أي حوار عقلاني يفقد أرضيته.. فالعقل يحتاج إلى معيار مشترك لقياس النتائج، بينما يقوم الخطاب الأيديولوجي على إعادة تعريف هذا المعيار بما يخدم استمراره.

في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية رغم ضعفها أقرب إلى منطق البقاء، هناك إدراك متزايد لدى قطاعات واسعة أن استمرار هذا المسار يعني مزيداً من التفكك، لذلك يظهر توجه نحو خيارات أقل كلفة، حتى وإن بدت صعبة، مثل البحث عن تهدئة أو تسويات تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار، وتمنع الانزلاق إلى ما هو أسوأ.

غير أن هذا التوجه يصطدم بواقع أن القرار السيادي لم يعد محصوراً في مؤسسات الدولة، فوجود فاعل مسلح يمتلك قراره المستقل، ويرتبط بأجندة إقليمية، يجعل أي محاولة لإعادة التوازن عملية معقدة، وهنا يعود السؤال: هل يكفي مخاطبة هذا الفاعل بالعقل؟، الجواب الواقعي يشير إلى أن الخطاب العقلاني وحده لا يغير السلوك.. التغيير يحدث عندما تتبدل موازين الكلفة والمنفعة، وعندما يدرك صانع القرار أن الاستمرار في النهج القائم أصبح عبئاً عليه لا رصيداً له. وقد وصل الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى ذلك دون هذا الخطاب.

تبقى الدعوات إلى العقل أقرب إلى الأمنيات منها إلى السياسات القابلة للتحقق. لبنان اليوم أمام خيارين واضحين: إما البقاء في دائرة الوهم، حيث تستبدل الدولة بالسردية الخرافية، أو الانتقال إلى منطق الدولة، حيث تقاس السياسات بنتائجها. بين هذين المسارين يقف المجتمع اللبناني مثقلاً بالخسائر، فيما يثبت الواقع أن الأوطان لا تدار بالشعارات، بل بحسابات دقيقة تضع الإنسان أولاً.. لذلك فإن لبنان بخطاب الرئيس يخرج من كونه ساحة إلى وطن.