في المعارك من النوع المفتوح الممتد متوسع القاعدة كتلك التي نشهدها على مدار الشهرين الماضيين تتداخل أحياناً خطوط النصر والهزيمة، والمكسب والخسارة، فتبدو الصورة ضبابية بعض الشيء، وهي الضبابية التي يعتبرها البعض أداة حرب.
أدوات الحرب تظل محل شد وجذب، وخلاف واختلاف، وذلك إلى أن تنتهي الحرب، وتنقشع الضبابية، ويتبين المنتصر من المنهزم.
وقد شهدت حرب إيران ضلوع أدوات عديدة غير تقليدية. المسألة لا تقتصر فقط على هيمنة الصواريخ والمسيرات، ومنها ما تم استخدامه وإطلاقه نحو أهداف أقل ما يمكن أن توصف به هو الجنون واللعب المفرط بالنار والتنمر الغبي بالدول، وغياب أدنى حسابات للتوقعات والنتائج، كما أنها لا تقف عند حدود سلاح الجو والبحر، وتكتيكات المناورة العسكرية، أو حتى المناورة بالتصريحات والضغوط والديبلوماسية، لكنها لجأت إلى ما بات يعرف بـ«السلوباغاندا»، هذا السلاح الدعائي الهزلي، الذي ربما يؤثر اليوم، لكن يتبخر أثره غداً في هواء النهايات الواضحة والصريحة للمعارك.
كل متابع للحرب شهد هذا الكم المذهل من الفيديوهات المصنّعة بالذكاء الاصطناعي، والتي لم تقتصر على التضليل والفبركة، حيث الادعاء بأنها لقطات من الحرب، أو استخدام فيديوهات قديمة بعد تعديلها بالأدوات الرقمية وبثها باعتبارها من أرض الواقع وسمائه، ولكن أصبحنا نتعرض لكم هائل من الفيديوهات سواء الساخرة أو الجادة، والتي تحمل واقعاً جديداً، يمضي قدماً مرسّخاً أقدامه أداة من أدوات الصراع والدعاية وحرب المعلومات.
تعريفات «السلوباغاندا» ما زالت في مراحلها الأولى. هي خليط من هراء الذكاء الاصطناعي مع قدر من الدعاية، ولا تخلو أحياناً من الدعابة، لكنها تظل دائماً ذات أغراض ثابتة، ألا وهي التلاعب بالمعتقدات، وتضليل التوجهات، والتعتيم على الحقائق، وذلك لأغراض سياسية لصالح أطراف بعينها.
الكلمة مركبة من «سلوب»، أو المحتوى الرديء المصنع بالذكاء الاصطناعي، و«غاندا»، المأخوذة من «بروباغاندا»، أي المعلومات والأخبار ذات الطبيعة المتحيزة أو المضللة التي تستخدم لترويج توجّه معيّن، وتكتسب أهمية وخطورة في أزمنة الحروب والصراعات.
«السلوباغاندا» مصممة لإغراق البيئة المعلوماتية بمواد تبدو منطقية أو متوقعة، لكنها في الواقع تشتت الانتباه، وتضلل وتؤثر على المشاعر والأيديولوجيات والمعنويات، وهي بالطبع تتمتع بمميزات العالم الرقمي، إذ تنتشر انتشاراً سريعاً، وعلى نطاق واسع جداً باستخدام الروبوتات والخوارزميات، فتصل إلى ملايين المستخدمين في دقائق، وربما ثوانٍ معدودة.
هذه المواد، لا سيما تلك التي تحمل عنصر السخرية والدعابة، التي غالباً تجذب الأنظار، ولو من باب حب الاستطلاع، يتم صناعتها وإغراقها في تفاصيل مصممة بشكل يناسب الجمهور المستهدف بذكاء وحنكة ودهاء. في هذه «البروباغاندا» أو بالأحرى «السلوباغاندا»، تتصارع الأطراف، ولكن على الأثير مستهدفة أكبر عدد ممكن في أسرع وقت.
الجديد هو أن إيران دخلت على خط هذه الحرب الرقمية بمحتوى ساخر مولد بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يسميه تقرير منشور على موقع «أكسيوس» «الدعاية الفارغة»، إذ يتضمن محتوى «ميم» منخفض الكلفة، قادر على الانتشار السريع، ويعمل جبهة إضافية على هامش الحرب أو الصراع العسكري الأساسي.
تحاول إيران كسب جبهات عبر هذا النوع من الدعاية، لكن واقع الحال وما ستؤدي إليه هذه الحرب من نتائج حقيقية تسيران في اتجاه آخر.
الصور والفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي أصبحت أداة في الحروب الحديثة، لكنها لا تغير نتائجها، صحيح أن العاطفة والسخرية نقطتان بالغتا الأهمية يمكن الدق عليهما، لكن العبرة بوعي الشعوب وقدرتها على معرفة ما يجري، ووضع الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال، أو بين أرض المعركة وسمائها، وبين أرضها على الأثير، وذلك للتحكم في التأثير المضلل والمشتت المرجو.
ليست مبالغة إذن حين يقال، إن الذكاء الاصطناعي سلاح دمار شامل، لكن ما يحد من آثاره، ويقلم أظفاره، ويحد من مخاطره، وعي المستخدمين، وثقتهم بالجهات الرسمية الوطنية، التي تمدهم بالمعلومات، وتسلحهم بالمعرفة والقدرة على التفرقة بين الواقع والتضليل.
الحرب إلى نهاية، والوعي باقٍ، والنتيجة محسومة.