جاء كامل يوسف حسين للعمل في مجلة الأزمنة العربية في بداية ثمانينيات القرن الماضي، ضمن كوكبة من الصحفيين والمثقفين المصريين، أمثال:

رأفت السويركي، وإبراهيم عبدالعاطي، ومحمد سيف، ممن يمكن نسبهم إلى جيل الستينيات الذهبي المصري، وهؤلاء لم يكونوا مجرد صحفيين أو كتّاب، بل هم مثقفون بالمعنى الحقيقي للكلمة، ينتمون إلى قضايا وطنهم وأمتهم العربية انتماء عضوياً، وهم إضافة إلى انشغالهم الصحفي كانوا مبدعين، السويركي شعراً ثم لاحقاً نقداً، كامل يوسف ترجمة، عبدالعاطي قصة ورواية، وهكذا.

هذي الكوكبة المبدعة انضمت إلى آخرين من لبنان وسوريا والإمارات، ليشكلوا جميعاً أسرة واحدة أنتجت مجلة «الأزمنة العربية»، قصيرة العمر عميقة الأثر وكبيرة الحضور في المشهد الإعلامي والثقافي في الإمارات ودول الخليج والمنطقة العربية، بما كرسته من مهنية وموضوعية ونضج في الكتابة.

في هذه البيئة تعرفت إلى كامل يوسف، حيث انضممت في أول عمل رسمي لي إلى المجلة التي علمتني أخلاق مهنة الصحافة ومهنيتها ووسعت الآفاق لدي على عوالم الثقافة والأدب في الوقت نفسه.

بخلاف الزملاء الآخرين كان كامل يوسف أكثرهم هدوءاً وصمتاً، وأقلهم حضوراً أيضاً، على الرغم من إنتاجه الكبير، سواء لجهة الترجمة أو الكتابة في المجلة.

فقد كان من النوع الذي لا يحب إضاعة الوقت ولا الانخراط في علاقات اجتماعية أو ثقافية ربما اعتقدها هدراً للوقت، لذلك كان من النادر أن نراه منخرطاً في النشاط الثقافي، على الرغم من زخم هذا النشاط في الثمانينيات، أو نراه في زيارة أو جلسة اجتماعية بعيداً عن العمل أو المكتب.

وقد استمر هذا السلوك معه خلال سنوات عمله الطويلة في الإمارات، ولا أعتقد أن أحداً ممن يعرفه يعرف شيئاً عنه أكثر من أعماله وكتبه وترجماته.

كان - رحمه الله - على الدوام عابداً في محراب الترجمة، مخلصاً لها، ولا ينهي عملاً أدبياً أو فكرياً إلا يبدأ الانشغال في عمل آخر. دؤوب، مخلص، دقيق، مدقق، مثابر، لا يسمح لأي شيء أن يقطع عمله ليلة واحدة أو يفسد مزاج الترجمة.

كان يصرف الليل ساهراً منكباً على الترجمة، كلمة كلمة، جملة جملة، فقرة فقرة، صفحة صفحة، إلى أن ينتهي العمل فيتنفس الصعداء.

الليل لترجمة الكتب، والنهار للعمل الصحفي، دون انقطاع. مواظبة غير عادية بينهما، وانضباط لا يقدر عليه سوى العسكر، لا تأخير عن أوقات الدوام المكتبي ولا تأخير عن موعد تسليم المقالات ولا تأخير عن إنجاز الترجمات، خصوصاً عندما يختار الكتاب: الهدف، ويبدأ العمل عليه.

تعرفنا إلى كتب ثمينة عن طريق كامل يوسف مثل: «بحر الخصب» ليوكيو ميشيما، و«البوشيدو:

روح اليابان» للكاتب إينازو نيتوبي، و«فن الحرب» للكاتب صن تشو، وحكاية جنجي لأول كُتاب الرواية في العالم موراساكي شيكيبو، فضلاً عن كتب أخرى مثل:

«أنشودة الحداد» للكاتب جيمس تاتوم، و«الفالس الأخير في سنتياجو» للشاعر الإسباني آرييل دورفمان، وكذلك كتابه الأهم «الاغتراب» لريتشارد شاخت، وغيرها من الكتب التي لا تغادر الوجدان.

هكذا كان كامل يوسف حسين كما عرفته، ساعة سويسرية دقيقة، لا مجال للتأخير أو العطل، والنتيجة عشرات الأعمال المترجمة من الروايات والقصص والفلسفة والفكر.

وكان له الفضل في تقديم بعضها إلى المكتبة العربية، كالأعمال اليابانية والكتب الفكرية الغربية، ومعها ما لا يمكن عدّه من المقالات المكتوبة أو المترجمة على السواء، أنجزها بحكم عمله الصحفي على مدى زاد على 40 عاماً.

ومثلما عاش صموتاً وعابداً، ها هو يرحل في صمت، ولعل في مصر لا يتذكره الكثيرون مثلما نتذكره نحن ممن كان لنا شرف مزاملته زمناً، وقد علّمنا معنى الشغف بالعلم، ومعنى الإخلاص لهذا الشغف حتى وإن قصف الصحة وأخذ العمر.

ومثله لا يتكرر في هذا المعنى، لأنه من ذاك الزمان.