إن المتأمل في مسيرة الحياة يدرك أنها بين مد وجزر، بين رخاء وشدة، بين عسر ويسر، يدرك أن التحديات والأزمات التي تعتري المجتمعات هي محطات تكشف معادن أصحابها، وتستجلي صلابة نفوسهم، ومكامن قوتهم، وتختبر مدى ثباتهم على قيمهم ومبادئهم، ليكونوا - بحق - نماذج ملهمة في الثبات واليقين، لا تزيدهم الأزمات إلا إيماناً وتسليماً، ولا الشدائد إلا تماسكاً وتلاحماً، فتكون نفوسهم هانئة، وقلوبهم مطمئنة، يغمرها اليقين بأن مقاليد الأمور بيد الخالق الحكيم، والمدبر العليم، فتثمر هذه السكينة عزيمة لا تلين، وإرادة لا تستكين، وتتجلى ثمرات ذلك في ثبات الأفراد، وقوة المجتمعات، التي تغدو أكثر صلابة في مواجهة الخطوب، وأشد تآزراً في تخطي الكروب، بل تتجاوز ذلك لتحول المحن إلى منح، والآلام إلى آمال.
واليوم نرى الصراعات والحروب تطل برأسها، لتترك أثرها في الأرواح والممتلكات، وتضع الإنسان أمام تحديات، وقد جعل الله تعالى الإيمان بالقدر عقيدة إيمانية، وركيزة أساسية في التعامل مع هذه الظروف، ليبقى الإنسان ثابتاً أمام العواصف، يتخطى العقبات باقتدار، فالإيمان بالقدر طوق نجاة، وصمام أمان، وبوصلة توجه العقل نحو أفضل مسار، ليحافظ بذلك على نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه، ويكون طاقة إيجابية، وبهذه الروح العالية يكون جندياً لوطنه في ميدان الساحة المعنوية، التي لا تقل أهميتها عن أي ساحة أخرى، يغذي فيها الثقة بالله تعالى، وحسن الاعتماد عليه، واللجوء إليه، واستمداد العون منه، ويغذي القيم الوطنية التي تعزز الولاء والانتماء، وتوحد القلوب والصفوف، فيكون المرء حصناً لوطنه، وسنداً قوياً لقيادته، يدرك أن أمن الوطن واستقراره أمانة غالية، وصونها واجب لا تهاون فيه، فلا يستسلم لإحباط، ولا يلتفت لخطاب مشتت، ولا يتأثر بشائعات مغرضة ولا أكاذيب مرجفة، بل يمضي بقوة وثبات في المحافظة على وطنه، متحلياً برؤية قيادته، محصناً بالوعي الرصين، باذلاً ما يستطيع في خدمة وطنه ونفع مجتمعه.
وتتجلى أهمية الإيمان بالقدر في أوقات الحروب، فيأتي اليقين ليحصن العقل من وساوس القلق، فيظل الإنسان متماسكاً قوياً، قادراً على التفكير السليم، واتخاذ القرارات الصائبة، ومواجهة الأحداث بشجاعة وإقدام، متوكلاً في ذلك كله على الله تعالى، فالمؤمن يعلم يقيناً بأن الآجال مضروبة، والأرزاق مقسومة، والمقادير مكتوبة، فتسكن جوارحه، ويهدأ باله، ويستشرف آفاق الفرج بعين الرضا والاحتساب، وينهل من هذا النبع الإيماني الصافي معاني الصبر الجميل، والثبات العظيم، وتتوالد منه طاقات إيجابية متجددة، تدفعه للنهوض والبناء والعمل الدؤوب لاستعادة مسار الحياة الطبيعية، وإشاعة روح التفاؤل والبذل والأمل.
ويعكس الإيمان بالقدر فهماً راقياً لسنن الله في الكون، وتعاملاً واعياً مع قوانين الأسباب والمسببات، فالمؤمن الموقن بقدر الله يأخذ بالأسباب المتاحة أمامه، ويبذل قصارى جهده في دفع الأذى، وتحقيق المنفعة لنفسه ومجتمعه ووطنه، ويستفرغ وسعه في التخطيط والتدبير والعمل، ثم يفوض أمره إلى الخالق الجليل، ويرضى بما يقسمه له من نتائج ومآلات، فيتحرر من قيود العجز والكسل، وينطلق في دروب الصدارة والريادة، موقناً بأن النصر يرافق الصبر، وأن الفرج يعقب الكرب، وأن مع العسر يسراً.
وتنعكس الآثار العظيمة للإيمان بالقدر على تماسك النسيج المجتمعي في أوقات الحروب والنوازل، وتبرز تجلياته في صور التكافل والتراحم، حيث تتعاضد السواعد معاً، وتتآلف القلوب وتجتمع، ويقف أبناء المجتمع كلهم صفاً واحداً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، ويتشاركون الآلام والآمال، ويتعاونون فيما فيه خير مجتمعهم ووطنهم، وتتجسد فيهم أبهى معاني الأخوة والمحبة.
ويعكس الإيمان بالقدر رقي الأمم والحضارات، ويتجلى ذلك في قدرتها على استيعاب الصدمات القوية، وتحويل المحن إلى منح ربانية، واستخلاص العبر والدروس منها، فالإيمان بالقدر دافع قوي لاستنهاض الهمم، وتجديد العزائم، والانطلاق بقوة وثبات نحو مزيد من التقدم والبناء، والتطور والازدهار.
إن الإيمان بالقدر ركيزة جوهرية في بناء الشخصية المتوازنة، تحميه من تداعيات الأزمات والحروب، وتغرس فيه الطمأنينة والسكينة، ومن واجب الأسر غرس هذه القيمة العظيمة في عقول الأبناء وقلوبهم، ليكونوا أجيالاً قوية واعية، متمسكة بهويتها الوطنية، قادرة على حمل أمانة الوطن بكل اقتدار، مؤمنة بأن مقاليد الأمور كلها بيد الله رب العالمين، يدبرها بحكمته البالغة، وبعلمه المحيط بكل شيء، وهو اللطيف الخبير، الرؤوف الرحيم، مستحضرين قول الله تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.