«جيتك من آخر لبنان، مشغول الفكر وحيران.. وحياة عيون الخلان لأشرب من نهر الغزلان.. نظرة واحدة تشبك قلبي بها العينين.. كلمة واحدة تصير معاهدة بين قلبين.. إلخ إلخ».
بهذا النص، وبوجهه الطفولي الممتلئ، وبخفة ظله ولهجته الشامية الظريفة، أسهم الفنان إلياس مؤدب في واحد من أجمل أوبريتات الزمن الجميل، وهو أوبريت «اللي يقدر على قلبي» الذي أدته ليلى مراد بمشاركة أنور وجدي وإسماعيل يس ومحمود شكوكو وعزيز عثمان في فيلم «عنبر» سنة 1949.
كان ظهوره وغناؤه في هذا الفيلم فاتحة خير عليه، إذ راح الناس يتساءلون عن أصله وفصله وجنسيته، وحظي بشهرة إضافية فوق الشهرة المحدودة التي حققها من العمل كمنولوجست في الأفراح الخاصة وبعض الملاهي، وأخذ المخرجون يطرقون بابه كي يعمل بأفلامهم. فما حكايته؟ وكيف تسلق سلالم الفن؟ وماذا حلّ به؟
إيليا مهدب ساسون الشهير بإلياس مؤدب أثرى السينما المصرية بجملة من أمتع الأفلام في الأربعينيات وبداية الخمسينيات، لكنه رحل شاباً في سن 36 عاماً في مايو 1952 إثر إصابته بجلطة دماغية.
ولد في طنطا في فبراير 1916 لأب حاصل على الجنسية المصرية من أصول سورية، وأم مصرية من طنطا. ويقال إن أمه، اختارت لنفسها اسم عائشة، من باب درء الحسد بسبب انتمائها لأسرة عــُرفت بموت كل أطفالها صغاراً.
انتقل في سن الرابعة مع عائلته إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، فنشأ وترعرع في شارع الفراخ بحي الظاهر، ثم التحق بمدرسة الليسيه الفرنسية. وبعد تخرجه منها في 1932 امتهن مع أخيه مهنة تصليح الساعات وبيع النظارات، من خلال دكان في شارع عبدالعزيز بمنطقة العتبة. في هذه الأثناء كوّن مع أخيه وأبناء عمه فرقة غنائية كانت تجوب شارع عماد الدين وتقدم المونولوجات الخفيفة المرحة والأغاني الفرانكو آراب في الأعراس والملاهي، فاكتشفه المبدع بشارة واكيم، وعرّفه على الراقصة ببا عز الدين التي أخذت بيده ومنحته فرصة العمل بفرقتها.
لم يمضِ وقت طويل على هذا التطور في حياته حتى بدأ نجمه يلمع من خلال أشهر ملاهي القاهرة مثل الأوبرج، وحلمية بالاس، وأريزونا، والبوسفور بسبب براعته في غناء المونولوج بالعربية والفرنسية واليونانية بشكل ظريف.
بدايته في السينما كانت في 1947 حينما شاهده المخرج حسن الإمام صدفة وأعجب بمواهبه الكوميدية فقدمه في فيلم الستات عفاريت، وفي السنة ذاتها منحه المخرج هنري بركات فرصة الظهور أمام فريد الأطرش وسامية جمال في فيلم حبيب العمر. بعدها فتحت له أبواب المجد فقدم ما يقارب عشرين عملاً سينمائياً خلال ست سنوات، كان أغلبها مع نجم الكوميديا الأشهر وقتذاك إسماعيل يس.
توفي إلياس وهو يؤدي دوره في فيلم بيت النتاش للمخرج حسن حلمي المهندس، حيث أدى أمام شادية وكمال الشناوي وعبدالفتاح القصري وإسماعيل يس دور السكرتير ليمون الحلو، فأمتع الجمهور كالعادة بلهجته اللبنانية وقفشاته وروحه المرحة. وكان وقتها قد أكمل تصوير فيلم النمر أمام أنور وجدي ونعيمة عاكف وزكي رستم، وهو الفيلم الذي عرضته دور السينما بعد وفاته بعامين.
بقي أن نعرف معلومتين مهمتين عنه: أولاهما أنه مكتشف فيروز الصغيرة التي أدهشت جمهور السينما المصرية في الأربعينيات والخمسينيات، حيث كان صديقاً لوالدها. والثانية أنه أصر على أنه لا يعترف بوطن سوى مصر. وأدى سنة 1950 دور راؤول صديق إسماعيل يس في فيلم البطل. وقد تم التحقيق معه سنة 1948 في قضية تجسس، لكن لم يثبت عليه شيء فأخلي سبيله، لكن الحدث جرحه وجعله يشعر بالمرارة حتى وفاته.
