في صفحاتٍ مطوية من ذاكرة مجتمعنا الإماراتي، تحفل قصصٌ لم يدوّنها التاريخ بعد، وربما كانت أحياناً أكثر دلالة من قصص أخرى تروى على كل لسان. قصصٌ بقيت حيّة في صدور الرجال، تنتقل عبر الرواية لا عبر الحبر، لأن بعض الحكايات لم تجد من يكتبها حتى الآن، وإنْ وجدت من يحفظها بكل اعتزاز وافتخار.

سآخذكم معي في رحلةٍ عشتها بنفسي، إلى شخصيةٍ لو كُتبت سيرتها، لكانت من أعمدة مرويات إخلاص وولاء وانتماء هذا المجتمع.

المكان: أبوظبي. الزمان: ما قبل عام 1991، في أيام حرب الخليج، حرب تحرير الكويت.

لا تزال تلك اللحظة عالقة في ذاكرتي... دخل متكئاً على عصاه، وقد جاوز الثمانين من عمره، وربما أكثر. لم يوافق على طلبه للالتحاق بالتجنيد بحكم السن، ولكن ذلك لم يُطفئ ما بداخله من توثب وحماس، بل حفّز فيه عزيمةً لا تخبو، وإرادة لا تلين.

قال، وعيناه تلمعان بحزم وعزمٍ: «قد تكون هذه العصا سبب رفضهم لي... لكن بإذن الله، قد تكون كعصا موسى لكل من تسوّل له نفسه المساس بأرض هذا الوطن. صحيح أنني رجلٌ مُسن، ولكن في قلبي شجاعة شاب لا يخاف الموت في سبيله». كان محباً للخير... تكسوه هيبةٌ تشعرك بأنه في حالة استعداد دائم، كأنما يترقب صد هجوم لا ينتهي. كان صوته وبأسه رمزاً للخير حين يكونان في موضعهما، وعنواناً للهيبة إذا امتدت يدٌ إلى أرض الوطن. ذلك الرجل... لم يكن مجرد رجل، بل كان جدي.

كم تمنيت أن أكتب عنه، أن أجمع شتات قصص شجاعته التي طالما سمعتها. سمعت عن رجالٍ تتكالب عليهم الأمم، فمنهم من يقاتل، ومنهم من ينسحب... ولكنني لم أسمع يوماً عن رجلٍ مستعد لأن يقف في هذا العمر، ثابتاً، لا تهزّه العواصف. كان يقول: «أدخل بينهم وحدي، وبإرادة الله أخرج سالماً، وأترك ضجيجهم خلفي».

ومن هنا... اقترب أيها القارئ، وأنصِت... فهنا تُروى الحقيقة. فالشجاعةُ ليست كلماتٍ تُقال، ولا سطوراً تُسطَّر؛ بل مواقفُ تُخلَّد، ورجالٌ وضعوا قلوبهم بين أكتافهم من أجل هذا الوطن... آمنوا به، فكان الإيمانُ فعلاً، وكان العطاءُ عهداً لا يُنكث. في كل بيتٍ إماراتي، كان هناك جدٌّ كجدّي.

رجالٌ لم تُكتب أسماؤهم في الكتب، لكنها خُلِّدت في ذاكرة الأرض. قصصٌ لا تُدوَّن بالحبر، بل تُحكى بالوفاء، وتنتظر من يُنصت لها قبل أن يطويها الزمن والنسيان لتدرك الأمم من أين تُولد الشجاعة... ومن أيّ القلوب تنبع.

ويوماً ما قد تسألني: هل أنتِ فخورة؟

نعم... فخورة، وكلنا فخورون، بكل اعتزاز، بهذا الوطن، وبهذا القائد، وبهذا الإرث من جذور العزّة والانتماء الذي يتجدّد مع إشراقة كل يوم جديد.