بينما يتابع العالم أجمع بقلق مجريات الحرب المشتعلة في منطقة الخليج بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، نظراً لتأثيراتها السلبية على الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد العالمية وأسواق الطاقة، تنشغل تايوان بأمر آخر يشكل قلقاً بالغاً بالنسبة لها، هو مدى التزام واشنطن بالدفاع عنها في حال قيام بكين بغزوها، وكيفية تصرف الأمريكيين عسكرياً. وبعبارة أخرى، فبدلاً من أن تتعامل تايبيه مع ما يجري في الخليج كحدث بعيد جغرافياً، راحت تنظر إليه عن كثب كمؤشر آني على كيفية تعامل واشنطن مع الضغوط الاستراتيجية، حيث انشغل ساسة تايوان وإعلامها بهذه المسألة كثيراً إلى درجة أنها طغت على أخبار قبول زعيمة المعارضة، ورئيسة حزب الكومينتانغ، تشنغ لي وون، الدعوة التي تلقتها من الرئيس الصيني شي جينبينغ لزيارة بكين في أبريل الجاري.

والحقيقة أن قادة تايوان السياسيين والعسكريين قد لا يشغلهم كثيراً سؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ستتحرك في المحيطين الهادي والهندي في حال اندلاع صراع بينها وبين الصين، وإنما ما يشغلهم اليوم هو كيف ستتصرف واشنطن مع تزايد الضغوط عليها في حال انفجار أزمات متعددة في آن واحد، فمثلاً كيف ستواصل معركتها الحربية الحالية مع إيران، لو انفجرت الأوضاع فجأة في الشرق الأقصى جراء عمل عسكري صيني ضد تايوان، أو أحد حلفاء واشنطن الآخرين في المنطقة مثل اليابان أو كوريا الجنوبية؟

والسؤال السابق يقود إلى أسئلة أخرى مثل: هل تملك الولايات المتحدة من الأعتدة الحربية ما يمكنها من إدارة حربين كبيرتين في منطقتين جغرافيتين تبعد كل واحدة منهما عن الأخرى آلاف الكيلومترات بالتزامن؟ وبطبيعة الحال فإن هذا السؤال أفرزته تقارير تحدثت مؤخراً عن أن مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية آخذة في النفاد، وأن الجيش الأمريكي اضطر إلى نقل بعض صواريخ ثاد الاعتراضية من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، هذا ناهيك عن الأخبار التي تحدثت عن تشجيع القيادة الأمريكية لأوكرانيا لتزويد دول في الخليج العربي بمنتجاتها من المسيرات الاعتراضية التي أثبتت فاعليتها في الحرب الأوكرانية.

إلى ما سبق برز سؤال آخر عما إذا كانت الولايات المتحدة وحليفاتها الآسيويات قادرات على الصمود طويلاً في مواجهة خطط عسكرية صينية تستهدف استنزاف الموارد، شبيهة بخطط النظام الإيراني. ومن الأمور الأخرى المقلقة لدى صانع القرار التايواني هو أن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تحركت بسرعة ضد إيران، ودون تشاور أو تنسيق مسبق مع الحلفاء، ومن غير أخذ رأيهم في التوقيت أو الأولويات أو مسار المعركة، وهذا بطبيعة الحال لا يزيد من حالة عدم اليقين لدى الحليف التايواني فحسب، وإنما أيضاً يقلق الحلفاء الآخرين في طوكيو وسيول، لجهة مخاطر نقص التواصل والتشاور حول أي تحرك محتمل تجاه الصين ولصالح تايوان.

وسط كل هذه الأسئلة وغيرها، يبرز موضوع تغير معايير استخدام القوة، بمعنى هل استخدامه مجرد إجراء وقائي يهدف إلى إبطال تهديد مستقبلي أو على الأقل التخفيف من حدته؟ أو أن استخدام القوة عمل يستهدف إزالة تهديد وشيك وخطر مؤكد؟ ثم ما هي العوامل والإشارات التي تحدد استخدام القوة في الحالتين؟ ذلك أنه في الحالة التايوانية، وطبقاً لمخاوف وهواجس صناع القرار في تايبيه، قد تلجأ بكين إلى عنصر المفاجأة لغزو تايوان، وتوقيت عمليتها في ذروة انخراط الجيش الأمريكي في معارك عسكرية في أماكن بعيدة جغرافياً، من أجل تحقيق نصر عسكري سريع وحاسم، غير أن هذا يخالف ويصطدم بآراء وتوقعات بعض المراقبين الذين ما برحوا يشيرون إلى أن بكين ستنجح في مساعيها لاستعادة تايوان عبر الضغط المتواصل من خلال سلسلة من القرارات الصغيرة والتكتيكات التصعيدية المتدرجة والقيود البحرية الخانقة والعمليات السيبرانية الدقيقة.

ولهذا فإن هؤلاء المراقبين حولوا بوصلة نقاشاتهم ومتابعاتهم مؤخراً إلى الأزمة الحالية في مضيق هرمز، من أجل معرفة وتقييم أثر تعطيل هذا الممر المائي الاستراتيجي على العالم، وإسقاط ذلك على ديناميكيات مماثلة في مضيق تايوان، الذي يعد هو الآخر ممراً مائياً استراتيجياً وتمر عبره السفن من وإلى موانئ شمال شرق آسيا، ناهيك عن أنه مضيق حيوي بالنسبة للولايات المتحدة لاحتواء الصين وحماية حلفائها في المنطقة.