في لحظة تختلط فيها الأصوات وتضيع فيها البوصلة، يبرز بين حين وآخر خطاب يكشف ما كان مستتراً، ويظهر ما يجري تداوله في الغرف المغلقة إلى العلن. البيان الصادر في مجلة «المجتمع» الكويتية، الأسبوع الماضي، بما حمله من فقرتين واضحتين، هو مؤشر على تحول في وعي بعض تيارات الإسلام الحركي، أو على الأقل مراجعة جزئية لخطاب ظل لسنوات طويلة يخلط بين السياسي والديني، ويضفي على المواقف السياسية قداسة لا تحتمل النقد.

الفقرة الأولى من البيان هي إدانة الاعتداءات الإيرانية، وتضع أمن الكويت خطاً أحمر لا يقبل المساومة، وهي لغة مباشرة تبتعد عن الرماديات التي اعتادها كثير من الخطاب الأيديولوجي. أما الفقرة الثانية، فهي أكثر عمقاً، إذ تفكك الربط التقليدي بين القضية الفلسطينية وتنظيم بعينه «حماس»، وتعيدها إلى إطارها الطبيعي: قضية شعب وأمة، لا تختزل ولا تحتكر.

هذا التحول، إن قُرئ بتمعن، ينسجم مع ما ذهب إليه عدد من الكتاب والمحللين منذ سنوات، من أن إيران نجحت في توظيف القضية الفلسطينية ضمن مشروعها الإقليمي، لا بوصفها التزاماً أخلاقياً، بل أداة نفوذ وتوسع. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى: حين تتحول القضايا العادلة إلى أوراق في صراع النفوذ، تفقد نقاءها، ويعاد تشكيلها وفق مصالح اللاعبين لا وفق حقوق أصحابها. من هذا المنظور يصبح من الضروري التمييز بين دعم قضية عادلة وبين الانخراط في مشروع سياسي يستخدم تلك القضية غطاء لأهداف أخرى. الخلل الأعمق لا يكمن فقط في توظيف القضايا، بل في الخلطة السامة التي مزجت الدين بالسياسة بطريقة أضرت بكليهما. حين يستدعى الدين لتبرير موقف سياسي، يمنح ذلك الموقف حصانة زائفة، ويغلق باب النقاش حوله. وحين تلبس السياسة لباس العقيدة، يتحول الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، لا يقبل التسويات ولا الحلول الوسط. هذه المعادلة هي التي غذت كثيراً من صراعات المنطقة، وحولتها من نزاعات قابلة للإدارة إلى حروب مفتوحة لا تنتهي.

لقد أثبتت التجارب، من لبنان إلى العراق إلى اليمن، أن تسييس المذهب أو تمذهب السياسة يؤدي في النهاية إلى النتيجة ذاتها: إضعاف الدولة، تفكيك المؤسسات، وتغذية الانقسامات المجتمعية. الدولة الحديثة بطبيعتها تقوم على المواطنة والقانون والمؤسسات، لا على الولاءات المذهبية أو الاصطفافات العقائدية. وعندما تتراجع هذه الأسس لصالح هويات فرعية، يصبح من الصعب بناء نظام سياسي مستقر.

من هنا، فإن أهمية الأصوات التي بدأت تميز بين الديني والسياسي لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها أيضاً. المنطقة تقف على مفترق طرق، بين الاستمرار في دوامة الصراعات الأيديولوجية، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة يعاد فيها الاعتبار للدولة كمؤسسة جامعة، وللسياسة كفن لإدارة الاختلاف لا تأجيجه. وهذا يتطلب شجاعة فكرية قبل أن يكون قراراً سياسياً، رفع الصوت اليوم، قبل الغد، ليس ترفاً بل ضرورة. لا بد من القول بوضوح إن الخلط بين الدين والسياسة قد خرب الأوطان، وأفسد المؤسسات، وقسم المجتمعات، وكان سبباً رئيسياً في الصراع الدموي الذي نعيشه منذ عقود. ولا بد أيضاً من إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها مجالاً بشرياً قابلاً للخطأ والصواب، لا مجالاً مقدساً محصناً من النقد.

الرهان الحقيقي ليس على تغيير الخطاب فقط، بل على ترجمته إلى ممارسة، فالكلمات مهما كانت واضحة، تظل ناقصة ما لم تتحول إلى سياسات تعزز الدولة، وتحمي المجتمع، وتفتح المجال أمام نقاش صحي يعترف بالتعدد ويحتضنه، عندها فقط يمكن القول إننا بدأنا نخرج من أسر تلك الخلطة السامة، ونتجه نحو أفق أكثر توازناً وعقلانية.