من يفتش في تاريخ الغوص على اللؤلؤ، الذي كان عماد اقتصادات أقطار الخليج العربي، ومهنة شعوبها قبل اكتشاف وتصدير النفط، سيجد حتماً صفحات تحكي عن أشهر الدانات التي عثر عليها رجالات الخليج من الرعيل الأول، من تلك التي بيعت بأثمان خيالية بمقاييس الماضي، إما لكبر حجمها، أو نقائها أو جودتها، أو غير ذلك مما لا يعرفه سوى المختصون في تثمين الجواهر والأحجار الكريمة.

من هذه الدانات، على سبيل المثال، «دانة الياقوت» نسبة إلى المواطن الكويتي عمر بن جاسم الياقوت، من سكنة قرية الشعيبة، الذي كان ــ طبقاً لما ورد في الجزء الأول من كتاب «تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي لمؤلفه سيف مرزوق الشملان ــ يغوص في عام 1918م، في هير «خلالوه»(من هيرات الكويت المعروفة قديماً) بحثاً عن محار قليل لوضعه في «القرقور» لصيد السمك، ولما فتح المحار عثر على لؤلؤة فريدة، فذهب بها إلي بلدة دارين على ساحل الإحساء لبيعها. وفي دارين اشتراها منه التاجر محمد بن على الزياني، الذي كان وقتذاك من أشهر تجار اللؤلؤ في البحرين والهند، بمبلغ 110,000 روبية، ثم باعها الزياني في الهند بمبلغ 170 ألف روبية، لأحد التجار الهنود، الذي باعها بدوره لتاجر إنجليزي، إلى أن انتهت حجراً يزين التاج البريطاني.

ولعل أحد دلائل روعة وجمال هذه الدانة، أن الشعراء تغنوا بها قديماً، ومنهم الشاعر منصور بن جليعد الرشيدي، الذي وصف جمال محبوبته بجمال هذه الدانة النادرة.

وهناك دانات لا تقل شهرة عن دانة الياقوت، ومنها: «دانة محمد بن مدعج العازمي»، التي باعها صاحبها لتاجر اللؤلؤ البحريني صالح بن هندي بمبلغ 80 ألف روبية، بعد أن عثر عليها في مغاصة «بطين بو علي» سنة 1927، و«دانة المرحوم سيد هاشم الرفاعي»، التي باعها مالكها في دارين على التاجر الكويتي هلال بن فجحان المطيري بمبلغ 45 ألف روبية، و«دانة المرحوم علي بن مبارك الدوب»، البالغ وزنها 300 جو، والتي عثر عليها الدوب عام 1937 في مغاصة بالقرب من «أم الهيمان»، وهو في طريق عودته بجالبوته إلى الكويت، ثم باعها في زمن كساد أسعار اللؤلؤ بمبلغ 20 ألف روبية، رغم أن سعرها الحقيقي أعلى من ذلك بعشرات المرات.

على أن قصة «دانة الهولي» تبقى متميزة، لأكثر من سبب. فهي أكبر دانة يُعثر عليها في تاريخ البحرين، بل أكبر دانات العالم. وتتلخص قصتها أن عيسى بن عبيد الهولي، من أهل بلدة «الغويرزه» على الضفة الشرقية للخليج العربي، قدِم في الثلاثينيات إلى البحرين للاسترزاق، فركب مع النوخذة حمد السليطي من سكان بلدة الحد البحرينية. وفي هيرة «بولثامة» شمال جزيرة المحرق، نزل الغيص الماهر عيسى الهولي بحثاً عن المحار، ثم عاد إلى ظهر السفينة ومعه كمية من المحار التي عثر فيها على دانة كبيرة أخاذة المنظر، أخذها منه النوخذة بعد أن دفع له 400 روبية كمكافأة. وبقية القصة تفيد بأن السليطي باع «دانة الهولي» على التاجر الشيخ جبر المسلم، بمبلغ 70 ألف روبية، وأن الأخير باعها بدوره على التاجر النجدي المقيم في البحرين، الشيخ عبد الرحمن بن حسن القصيبي (والد الدكتور غازي القصيبي، رحمهما الله)، بمبلغ 125 ألف روبية، ثم قام تاجر المجوهرات الفرنسي روزنتال بشرائها من القصيبي بمبلغ 250 ألف روبية، وبيعها لاحقاً إلى ابنة ثري أمريكي من تكساس بأربعين ألف جنيه إسترليني، أو ما عادل وقتها 450 ألف روبية.

ومما قيل في أكثر من مصدر تاريخي، أن عيسى الهولي عاد بعد هذه المغامرة إلى بلدته، فتعرض للسجن والضرب، عقاباً له على تفريطه بتلك الدانة المتميزة.

وفي أعقاب ما تعرض له من مهانة، قرر الهولي أن يترك بلدته ويذهب إلى البحرين، لكي يستقر بها.

ثم اشترى سفينة (بوم) من الشيخ جبر المسلم، كي يرحل بها إلى الكويت، حيث عاش في جزيرة فيلكه، وتزوج وأنجب هناك حتى تاريخ وفاته، رحمه الله.

ما سبق ليس إلا توطئة للحديث عن عائلة الهولي في الكويت، التي قد يكون صاحب «دانة الهولي» أحد مؤسسيها. يقول المؤرخ والباحث المعروف «محمد غريب حاتم»، مؤلف كتاب «تاريخ عرب الهولة»، في حوار أجراه معه طلال سعد الرميضي، وتم نشره في صحيفة «عالم اليوم» الكويتية (26/6/2008)، أن مسمى الهولة ومفردها «هولي» خاطئ، والصواب هو «الحولة»، لأنهم تحولوا في هجرتهم من جزيرة العرب إلى الساحل الشرقي للخليج العربي، مضيفاً أن اسم الهولة جاء نتيجة صعوبة الأعاجم نطق الحاء، فحولوها إلى هاء، «ثم إن هذه التسمية أصلاً جاءت لأنهم في الصيف، وخصوصاً في مواسم الغوص قديماً، كانوا يتحولون، أي يرجعون إلى البحرين».

ومما ذكره أيضاً أن جماعات الهولة «هاجرت بأفخاذ وحمولات، واستوطنت هناك على شكل هيكل متكامل، أي من شيخ وأتباع ونواخذة وحكماء قبليين، وبالتالي كان لكل شيخ علم وإمارة، على شكل بندر وقرى تتبع له، وفرسان وبحارة وغاصة، ونظام لسير أمور رعيته، وقاضٍ يحكم بين الناس، بل كان لهذه الجماعات قناصة مع صقور لممارسة هواية الصيد، وبنى البعض منهم قلاعاً على شكل قلاع العرب، بها بئر وسلاح وتمر وتسمى «جلعة»».

«كذلك انحصرت المصاهرات بين العرب بعضهم البعض، ولم يتم أي اتصال مع الأعاجم، بل فقط مع من سبقهم من بني العرب، سواء في خنج أو عوض أو بستك أو فلامرز أو لنجة أو الجزر التي كانت كلها حتى قبل مئة سنة ملكاً للعرب فقط»، مستطرداً بقوله: «القبائل التي هاجرت كثيرة، والبعض هاجر ورجع ثانية، والبعض استقر حتى مطلع القرن التاسع عشر، وآخرون عادوا في أواخر 1930م، أي بعد كساد اللؤلؤ وظهور اللؤلؤ الصناعي، ومع ذلك حافظوا على قيمهم وعاداتهم وتقاليدهم ولغتهم العربية، ولبس الكندورة (الدشداشة) والبرقع (البطولة)».

واختتم حاتم حواره الصحافي بالحديث عن الهولة الذين سكنوا الكويت قبل ظهور النفط، ودورهم في تاريخ البلاد، فأوضح أنهم كُثر، ومنهم من سكن جزيرة فيلكة قبل هجرة العتوب، ومنهم من سكن داخل الكويت، وتحديداً في منطقة الجبلة (القبلة)، وأنهم عملوا في الغوص وصيد السمك، سواء بالشباك أو الحظور في منطقة العكاز (المنطقة الحرة في الميناء حالياً) وفي كاظمة، كما عملوا في التجارة والمغامرات البحرية باتجاه الهند وعدن وأفريقيا، وأن منهم شخصيات لعبت دوراً مميزاً في تاريخ الكويت، مثل آل عبد الرحيم وآل مذكور وآل شايع وآل بن حجي وآل بن عيسى المناصير وآل راشد وآل العيتاني وآل الهولي، علماً بأن أغلبهم كانوا نواخذة بحر، لكن بعضهم كان له دور متميز في التعليم.

والحقيقة أنه يوجد في الكويت أكثر من عائلة تحمل لقب «الهولي». فهناك عائلة الهولي التي سكنت فيلكة، ويعرفون بالهولي الفيلجاوية، وعائلة الهولي الجبـْليين، وكانوا يسكنون فريج الفلاح قبل حلولهم في الجبلة، وبعد ذلك سكنوا الشامية، ومنهم من سكن في كيفان والقادسية والعمرية ومشرف وقرطبة، وعائلة الهولي في الفحيحيل، وهي ترجع في نسبها إلى قبيلة المناصير، وقدموا إلى الكويت في ثلاثينيات القرن العشرين.

وأنجبت عائلة الهولي شخصيات معروفة، عملت في القطاعين العام والخاص، ومنها: النوخذة إبراهيم سليمان الهولي (من مؤسسي نادي الفحيحيل الرياضي)، وناجي إبراهيم الهولي (وكيل وزارة الخارجية المساعد)، وفيصل إبراهيم الهولي (قنصل الكويت العام في لوس أنجلوس)، والعميد ركن طيار مساعد إبراهيم الهولي (مدير مشروع القيادة والسيطرة التابع للدفاع الجوي بالجيش والعضو المنتدب لشركة بووينغ في الكويت)، والمستشار حمد عدنان الهولي (عضو اللجنة الاستشارية لبرنامج الكويت للمسؤولية المجتمعية)، وعبد العزيز الهولي (وكيل ديوان المحاسبة)، ومحمد الهولي (مدير جمعية النجاة الخيرية)، ود. أحمد يوسف الهولي (رئيس جمعية المعلمين الكويتية)، ود. عبير عبد الله الهولي (أستاذة مناهج وطرق التدريس في كلية التربية الأساسية بالهيئة العامة للتعليم التطبيقي)، ود. عائشة ناصر الهولي (أستاذة التربية الخاصة والموهبة والإبداع في معهد التنمية البشرية)، ود. هند محمد الهولي (رئيسة جمعية المرشدات الكويتية)، ود. مشاعل الهولي (اختصاصية طب العائلة وأمراض السمنة)، وغيرها كثير.

وهناك أيضاً شخصية تربوية تحمل نفس اسم الغيص صاحب «دانة الهولي»، هو الشيخ عيسى بن عبد الله بن عيسى الهولي، الذي أطلقت وزارة التربية والتعليم الكويتية اسمه على إحدى مدارسها الثانوية (مدرسة عيسى عبد الله الهولي الثانوية للبنين بالعقيلة)، وذلك تكريماً له لدوره كمربٍ فاضل.

ولد هذا المربي الفاضل بمنطقة القبلة من العاصمة الكويت في 15 يوليو 1920م، والتحق في مستهل حياته بمدرسة الملا محمد صالح العجيري، وبعد عام واحد أغلقت المدرسة أبوابها، فانتقل إلى مدرسة الشيخ أحمد الخميس، ثم ما لبث أن اضطر إلى ترك الدراسة لعجزه عن دفع المصروفات الدراسية، بسبب غياب والده لاشتراكه في رحلات الغوص، فلما عاد والده ألحقه بمدرسة الشيخ محمد أحمد الفارسي، حيث درس القرآن الكريم والفقه والنحو، ومن الأخيرة التحق بمدرسة المعارف الخاصة بالمكفوفين، للتخصص في دراسة القرآن الكريم.

وحينما افتتح الشيخ عبد العزيز حمادة معهده الديني لتخريج الأئمة والمؤذنين، التحق به عيسى الهولي، وتتلمذ فيه على يد الشيخ أحمد عطية الأثري، والشيخ عيد بداح المطيري، والشيخ عبد الله محمد النوري. كانت الدراسة في هذا المعهد آنذاك تعادل المرحلة الثانوية. وهكذا، حصل الهولي على شهادة الثانوية العامة، بعد أربع سنوات دراسية، ليلتحق في أعقاب ذلك بشعبة الأئمة في نفس المعهد، وبعد عام واحد ترك الدراسة، احتجاجاً على عدم ابتعاثه إلى القاهرة، كغيره من زملائه، بحجة أنه كفيف.

وتفيد سيرته المهنية أنه عمل مدرساً بمعهد النور للمكفوفين، لمدة عشرين عاماً، تخللها سفره في عام 1966 إلى مصر، مع زميله حمد عبد العزيز الحميدي، مبتعثين من قبل وزارة التربية، لأخذ دورة لمدة عام في طرق تدريس المكفوفين، إلى أن تقاعد عن العمل سنة 1980، كما أنه عمل مؤذناً بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. غير أنه، انطلاقاً من إيمانه بخدمة ناسه ووطنه، قام بعد إحالته إلى التقاعد، بالتدريس مجاناً بجمعية المكفوفين، التي كان هو من ضمن مؤسسيها، إلى جانب آخرين. واستمر على هذه الحال حتى تاريخ انتقاله إلى جوار ربه في 7 يوليو 1999. نعم، كان الهولي كفيفاً لا يبصر، لكن بصيرته وحكمته وإحساسه بالواجب، وقراءته لمن حوله، كانت أفضل مما لدى المبصرين، وكان عشقه للتعليم والعلم كبيراً، فاستمر يعلم ويتعلم، إلى آخر يوم من عمره.

عاصر عيسى الهولي واقعة الغزو العراقي الغاشم لوطنه، وتشريد شعبه، وكانت له فيها مواقف وطنية ناصعة، تصلح أن تكون مثالاً يحتذى في الفداء والولاء وحب الوطن. يقول ابن زوجته، وائل يوسف المطوع، في جريدة «النهار» الكويتية (10/8/2017)، إنه تعلم الإيمان والصبر والتضحية من أجل الوطن، من عمه عيسى الهولي، حينما تمّ أسره وتعذيبه لمدة خمسة أيام رهيبة، من قبل القوات العراقية الغازية في تلك الفترة.

لقد حاولوا معه بشتى وسائل الإقناع أن يخرج من الكويت، مع الذين خرجوا إلى السعودية، رحمة بعجزه وبوضعه الصحي، لكنه رفض رفضاً قاطعاً، مردداً عبارة: «لن أترك الكويت، فقد أعطتنا الكثير، وجاء الوقت لنرد بعض الدين لها». وهكذا، ظل صامداً في الداخل، وآثر أن يعيش في السراديب المظلمة طوال فترة حرب عاصفة الصحراء، على أن يعيش حراً آمناً خارج وطنه. وحينما انتهت الحرب، وعادت الكويت إلى أهلها حرة، لم يكن غريباً عليه أن يبكي من شدة الفرح، ويخر ساجداً لله ومسبحاً بحمده.