في العلاقات الدولية، لا يكفي التعهد بعدم العدوان بخطابات وتصريحات السياسيين، وإنما المعيار الحقيقي لإثبات حسن النوايا، والتفريق بين الصديق والعدو، هو سلوك النظام المعني.

عندما يزعم الساسة الإيرانيون بأنهم لا يعتدون على دول مجلس التعاون الخليجي، ويكررون ذلك مراراً، ويدعون بأن طهران تستهدف بصواريخها القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة؛ في حين أنها تستهدف المطارات والمنشآت النفطية والفنادق والمباني السكنية، فإنهم بذلك كمن يعيد إحياء نظرية وزير الدعاية النازية في حكومة هتلر: «اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الآخرون»، لكن ما غاب عن الإيرانيين وهم يمارسون هذا الدجل الإعلامي، أن التوقيت الزمني لهذه النظرية لم يعد مجدياً، لأن المعلومة لم تعد ملكية خاصة، فالرأي العام العالمي يدرك كل شيء.

في إقليمنا الجغرافي، هناك حساسية سياسية وأمنية كبيرة، تحتاج معها دول الإقليم لاعتماد نهج الشفافية والمصارحة للعمل مع بعضها البعض، خصوصاً وأن منطقتنا تتمتع بأهمية استراتيجية عالمياً، وهو ما أظهرته أزمة مضيق هرمز، التي غيّرت مسار الحرب ومواقف دول العالم، فرغم صغر مساحته، إلا أنه «خنق العالم» مع توقف إمدادات الطاقة والأسمدة وحركة التجارة عبره.

في منطقتنا، هناك دول اختارت التنمية والبناء نهجاً، ووظفت ثرواتها الطبيعية لخدمة شعبها، وفتحت الباب واسعاً للبشرية كي يصنعوا آمالهم وسعادتهم، فجاءوا إلى الدول الخليجية، للاستفادة من الفرص التي فيها، وكان من الذين وفدوا إليها مواطنون إيرانيون، اختارت دولتهم نهجاً سياسياً مختلفاً تماماً عن جوارها العربي، وحتى غير العربي، فركزت على عسكرة الدولة بأسلحة تدميرية لتهدد بها العالم، وسعت عبر ميليشياتها للتمدد وتهديد الاستقرار في المجتمعات العربية، وإحداث شروخ طائفية فيها.

نجحت في نهجها في بعض الدول العربية، ولكنها فشلت في دول مجلس التعاون الخليجي، لأن «البيت الخليجي متوحد»، حتى أنها فشلت أيضاً في محاولاتها لاستدراج دول المجلس للحرب، فكانت النتيجة الاستمرار في محاولاتها الفاشلة لتخريب النجاحات والمنجزات من خلال استهدافها بسلسلة متواصلة من الاعتداءات الإرهابية بالصواريخ والمسيرات، وهذا هو سلوك الفاشل دائماً.

إن إيران أحوج ما تكون إليه اليوم هو نبذ سياساتها الإرهابية والعدوانية المستمرة منذ أكثر من أربعة عقود، والتركيز على مجال التنمية، وتطوير اقتصادها وتحسين مستوى معيشة سكانها. إذ يمكنها في هذا المجال الاستفادة من تجربة الإمارات التنموية والعمل على نقلها، فهذا ما يحتاج إليه الشعب الإيراني، خصوصاً إذا استخدم النظام الإيراني المقومات المادية والبشرية لديه لتحقيق التنمية على غرار دول الجوار، والتخلي تماماً عن السياسات العدائية تجاه دول المنطقة.

وللأسف جاء حجم العدوان الإيراني الغاشم على الخليج بحجم النجاحات التنموية في دوله، فمثلاً: دولة الإمارات كانت الأكثر استهدافاً من حيث عدد الصواريخ والمسيرات مقارنة ببقية دول المنطقة، لأنها تعد الأكثر تقدماً في المؤشرات التنموية.

ستنتهي الحرب الأمريكية - الإسرائيلية مع النظام الإيراني بهزيمة طهران أو بالتفاوض، لكن ذاكرة مواطني دول الخليج لن تنسى الاعتداءات الإرهابية التي قامت بها طهران ضد بلدانهم، فقد بدا واضحاً أن طهران استهدفت من هذه الاعتداءات محاولة تخريب المنجزات الخليجية والمكتسبات التنموية، غير أن محاولاتها باءت بفشل ذريع، وستبقى دول المنطقة منارة للتطور والازدهار تستقطب الباحثين عن فرص للنجاح والحياة الكريمة.

لقد خرجت دولة الإمارات وبقية الدول الخليجية من هذا العدوان أقوى مما كانت، لأنها تخلق من التحديات فرصاً لتحقيق النمو، وقد أثبتت الإمارات صحة هذه المقولة مراراً، سواء خلال الأزمة المالية العالمية أو جائحة كورونا.

لهذا فخريطة الطريق واضحة للنظام الإيراني، من خلال القيام بصناعة المستقبل لشعبه، واعتماد سياسة خارجية قائمة على حسن الجوار وعدم زعزعة الاستقرار، وعدم التدخل في شؤون دول المنطقة. إن سلوك وأفعال الدول هي المعيار الحقيقي الذي يحدد شكل العلاقات التي تربطها بجيرانها وبقية الدول الأخرى، فمعايير القرب الجغرافي، تصبح بلا قيمة إذا انتهجت الدولة المعنية سياسات عدائية تجاه جيرانها. فالاعتداءات الإرهابية التي شنها النظام الإيراني على الإمارات ودول المنطقة، هي بالتأكيد فعل عدو.