يُفاجأ المرء بالثقافة السائدة ما إن ينضم إلى مؤسسة ذاع صيتها. تلك الثقافة هي «الصدمة غير المكتوبة»، التي لا تدون في الإعلانات الوظيفية، فبإمكانك أن تعرف مسبقاً ما هي الرواتب والمزايا وغيرها لكن الثقافة «culture» لا تكشف النقاب عن وجهها الحقيقي إلا مع مرور الوقت والمعايشة اليومية.

بعد انضمام الموظف إلى بيئة غير مريحة ينتابه ضيق وضجر من أجوائها. فالثقافة شيء نشعر به ولا نجده في اللوائح، وهي القيم والمبادئ وأسلوب العمل الذي يؤثر على طريقة تصرفاتنا. وهناك نوعان: ثقافة قوية «strong culture» وأخرى ضعيفة «weak».

والثقافة القوية هي تلك التي تتجسد فيها القيم المؤسسية الملحوظة في سلوكيات العاملين اليومية، فتتحول من شعارات إلى ممارسات راسخة في جميع قطاعاتها. ومن يدخل شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، يلمس بوضوح حضور قيمها الأساسية «key values» مثل السلامة، والتميز، والمسؤولية، والكفاءة، والعمل بروح الفريق، حيث لا تُطرح هذه القيم كشعارات بل تُمارس في أدق التفاصيل التشغيلية. فتجد الاستثمار الجاد في الكفاءات الوطنية وتطويرها. كما تتجلى السلامة كقيمة لا تقبل التهاون، نظراً لطبيعة العمل في قطاع الطاقة وما ينطوي عليه من مخاطر عالية. أما المسؤولية، فهي جوهر الدور القيادي، التي يضع الأداء والانضباط في صميم الثقافة المؤسسية.

وعلى النقيض ثمة مؤسسات تتباهى بقيم لا أثر لها في الواقع. يقولون لا نكذب وهم يكذبون ليلاً ونهاراً على عملائهم، يرفعون شعار الشفافية، لكنهم لا يطبقون الحد الأدنى فيها.

الثقافة القوية، أيضاً، تبعث برسائل ثابتة ومتسقة «consistent» إلى جميع العاملين فلا تبدو الممارسات الجيدة فيها مبادرات عابرة يقودها مسؤول أو فريق نشط، بل تغدو سلوكاً راسخاً وثقافة مستمرة.

وعندما يكون العاملون قادرين على أن يرووا تاريخ المؤسسة ومحطاتها المفصلية وأبطالها بكل فخر واعتزاز، فذلك مؤشر جيد على الثقافة القوية السائدة، كما أن المقدرة على تعريف الثقافة السائدة هي بحد ذاتها دليل وجود ثقافة قوية، وكلما كانت الثقافة قوية، زادت مقدرة المديرين على حسن تخطي الصعاب والرقابة والقيادة بشكل جيد، بخلاف الحال في الثقافة الضعيفة، ولذلك فإن الثقافة الضعيفة هي نقيض القوية، إذ تتسم رؤيتها بالضبابية، كما القيم -إن وُجدت أصلاً- لا يلمسها العاملون على أرض الواقع، فما جدوى كتابة «النزاهة أو الشفافية» في موقعها في حين أن كبار المسؤولين يحرضون العاملين على كتمان أمور جوهرية عن عملائهم رغم أنها في صميم حقوقهم التي كفلها القانون والعقود؟ وما قيمة التغني بالنزاهة، إذا كان أول من يخرقها هم أصحاب المناصب الإدارية، عبر قبول رشوة أو منفعة شخصية أو تجاوز اللوائح والأنظمة؟

تتشكل الثقافة السائدة في بيئة العمل منذ البدايات الأولى على يد المؤسسين وتحديداً الإدارة العليا، إذ تنعكس سلوكياتهم تدريجياً على من هم في أسفل الهرم الإداري، كما أن الرواد الأوائل يميلون إلى اختيار من يشبهونهم في القيم والتوجهات، حتى يصبح المعينون نسخاً متشابهة تشكل ثقافة.

ولذلك فإن حسن اختيار القيادات في مرحلة التأسيس، واستمراره طوال عمر المؤسسة ليس ترفاً بل ضرورة، فمع مرور الزمن يضفي القياديون الأكفاء طابعاً واضحاً على الثقافة السائدة، وتصبح سلوكياتهم مرآة لقيمهم، إذن لا بد من وضوح الثقافة وتجنب الضبابية (الثقافة الضعيفة) حتى يتمكن العاملون من فهم كيفية التعامل مع الأطراف داخل المؤسسة وخارجها على أساس هذه الثقافة.

اللافت أن الأبحاث العلمية تشير إلى أن الثقافة القوية تعزز الولاء في الموظفين مقارنة بالثقافة الضعيفة، بحسب كتاب الإدارة للبروفيسور سيتفن روبنز وزملائه، وتنعكس كذلك إيجاباً على الأداء المؤسسي، كما أن الثقافة القوية تجعلك تفهم لماذا يكون سلوك فلان مقبولاً كموظف أكثر من فلان على سبيل المثال، غير أن من عيوب الثقافة القوية أنها قد تحد من قدرة العاملين فيها على تقديم أساليب عمل جديدة.