في القرن الثامن عشر، تخيل الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنتام سجناً مثالياً أسماه «البانوبتيكون»، وهو مبنى دائري يتوسطه برج مراقبة، يسمح للحارس برؤية جميع النزلاء دون أن يروه، بحيث لا يعرف السجين متى يُراقَب ومتى لا يُراقَب، فيتحول تدريجياً إلى رقيب على نفسه، ولاحقاً قرأ ميشيل فوكو هذا النموذج بوصفه استعارة للسلطة الحديثة، التي لا تحتاج إلى قمع مستمر، بل يكفي أن يشعر الفرد بإمكانية مراقبته في أي لحظة، فيبدأ بضبط نفسه بنفسه، لكن ما نعيشه اليوم يتجاوز هذا التصور بكثير، نحن نتحدث عن نسخة محسنة من تلك الفكرة القديمة للسجون، سجون خوارزمية، ندخلها بإرادتنا، جدرانها بياناتنا، وسقفها وعينا!

هذه السلطة الخفية ليست جديدة، لكنها اليوم أقرب إلينا من أي وقت مضى، إذ لم تعد في غرف مغلقة أو شبكات معقدة، بل في أجهزتنا وهواتفنا وفي التطبيقات التي نستخدمها يومياً، حيث يُعاد ترتيب ما نراه بصمت، دون أن نشعر.

وفي هذا النمط الجديد، لا تحتاج هذه السلطة إلى خطاب مباشر أو إقناع صريح، إذ يكفي أن يُحاط كل فرد ببيئة رقمية مصممة وفق اهتماماته وسلوكه، فما يظهر أمامه ليس عشوائياً بل مُنتقى بعناية، وهذا ما يمكن تسميته بـ«الفقاعة المعلوماتية المُوجهة»، ولا يتوقف هذا التأثير عند حدود الاستخدام اليومي، بل يمتد إلى ما هو أعمق، فالأجهزة التي نحملها لم تعد مجرد أدوات، بل مساحات يُعاد داخلها ترتيب الانتباه وتوجيهه، حتى تصبح بعض أنماط المحتوى مألوفة، ثم مقبولة، ثم جزءاً من وعينا، وفي هذا الامتداد لا يبقى التأثير محصوراً في المستخدم الفرد، بل يصل إلى الفئات الأكثر تفاعلاً مع هذه البيئات.. وهذا السيناريو لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بهدوء، فالفرد لا يشعر أنه يُوجه، بل يعتقد أنه يختار، غير أن هذا «الاختيار» يتحرك داخل مساحة تم ترتيبها مسبقاً، حيث يُعاد تدوير ما يشبهه، ويُدفع انتباهه تدريجياً في اتجاه واحد، دون أن ينتبه إلى ما تم استبعاده، ومع تراكم هذا النمط، لا تتغير اختياراتنا فقط، بل تتغير الطريقة التي نفكر بها في هذه الاختيارات، وما نُعِدهُ طبيعياً أو بديهياً.

ولعل هذا يفسر ما أشار إليه إيان فيتزجيرالد في كتابه «الدولة العميقة»، إذ يتضح أن ما نواجهه اليوم لم يعد نفوذاً يعمل في مستوى واحد يمكن تتبعه، بل بنية رقمية ثلاثية الأبعاد، تتحرك عبر طبقات متداخلة من التأثير، سياسياً وإعلامياً ورقمياً، بحيث لا تعود السلطة متمركزة في نقطة يمكن كشفها، بل موزعة داخل شبكة يصعب الإمساك بخيوطها، وهكذا يُعاد تشكيل الأفكار وفق المجال الذي تتكون داخله من الأساس، بحيث يصبح التأثير جزءاً من التجربة اليومية.

وفي هذا المشهد المعقد، باتت الوقائع تغمر بسرديات بديلة وحقائق موازية، إلى الحد الذي أصبح فيه التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُصنع جهداً ذهنياً مرهقاً لا يميل كثيرون إلى خوضه، وبذلك تضعف جذور الحقيقة حين توضع في مستوى واحد مع عدد لانهائي من الروايات المتنافسة، فتفقد قدرتها على الحسم، وتتحول إلى مجرد احتمال بين احتمالات.

وفي ظل ما يشهده العالم من تسارع في الأحداث وتداخل في السرديات، يزداد هذا التأثير وضوحاً، إذ قد يبدأ من خوارزمية بسيطة، وينتهي بصورة ذهنية كاملة، وهنا تبرز أهمية الانتباه المبكر لطبيعة هذا التأثير، خصوصاً لدى الجيل الجديد، حيث لا يكفي التعرض للمحتوى، بل يصبح من الضروري إدراك كيف يُعرض ولماذا، كما يظل حضور الأسرة عاملاً حاسماً، ليس بوصفه رقابة مباشرة، بقدر ما هو متابعة واعية وحوار مفتوح، يتيح قراءة ما يُشاهد ويُتداول، وإعادته إلى سياقه الحقيقي.

ولا يبدو هذا الوعي منفصلاً عن الرؤية الأوسع، بل امتداداً لها، فوعي الأسرة بما يتلقاه الأبناء يشكل أحد أهم المحاور الأساسية في «عام الأسرة» في دولة الإمارات، حيث لا يُختزل الترابط في الحضور، بل يتعمق في فهم البيئة التي يتشكل داخلها وعي الأبناء، ومرافقتهم فيها، وتحصينهم فكرياً، وتنشئتهم على القيم والهوية الأصيلة.

وفي هذا الإطار، يفتح «عام الأسرة» مساحة لإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الأسرة والعالم الذي يتشكل من حولها، فحين تتغير مصادر التأثير، وتتبدل طبيعة ما يُعرض ويُتداول، يصبح الدور الحقيقي للأسرة أن تكون نقطة اتزان، لا تعزل أبناءها عن هذا الواقع، بل تمنحهم القدرة على فهمه وقراءته بوعي أكبر.