لا أخفيكم سراً، عشت فترة من القلق الحقيقي. ليس قلقاً على اقتصاد دبي، بل قلقاً على تلك القطط والكلاب المسكينة التي تركها أصحابها تموت من الجوع في الشوارع حين هربوا من «الانهيار الوشيك». هكذا أخبرنا بعض «المخللين» أقصد المحللين الاستراتيجيين، والذين يتحدثون عن اقتصاد دبي بنبرة من يعرف سر الكون ويمتلك وصفة الحقيقة المطلقة.

قالوا: «دبي انتهت!» فصدّقناهم. قالوا: «الاقتصاد فقاعة وستنفجر!» فأومأنا برؤوسنا. قالوا: «الوافدون يغادرون أفواجاً وتركوا القطط والكلاب بلا رعاية!» فكدت أن أتبرع لجمعية الرفق بالحيوان. لكن قبل أن أفعل ذلك، قررت أن أتحقق من الأرقام أولاً، لأن الأرقام لا تكذب.

أول ما صدمني حين بحثت، أن هذه «الفقاعة» المزعومة قد سجلت نمواً بنسبة 6.4% في الربع الرابع من عام 2025، ونمواً سنوياً بنسبة 5.4% بقيمة 937 مليار درهم في عام 2025 كاملاً. أتساءل: هل تعرفون فقاعة في التاريخ الاقتصادي نمت بهذا المعدل وحافظت على هذا الزخم؟ يبدو أن هذه الفقاعة مصنوعة من التيتانيوم!

ولم يكتفِ سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، بالإعلان عن هذه الأرقام المحرجة لأصحاب نظرية الانهيار، بل ذهب أبعد من ذلك وأعلن عن اعتماد تسهيلات اقتصادية بقيمة مليار درهم للقطاع الاقتصادي. أسأل بكل صدق: أي حكومة تضخ مليار درهم في اقتصاد تعتقد أنه «فقاعة»؟ هل تضخ ملياراً في شيء تعرف أنه سينهار؟

أما الرواية المثيرة عن الهروب الجماعي للوافدين وتركهم القطط والكلاب جائعة، فهي رواية تستحق جائزة الأوسكار في فئة «أفضل دراما اقتصادية». لكن الأرقام تقول إن مبيعات عقارات دبي بلغت 36.2 مليار درهم في شهر واحد فقط! هل هؤلاء «الهاربون» يشترون شققاً في طريقهم إلى المطار؟

بل إن الاستثمارات الأجنبية في دول الخليج بلغت 900 مليار دولار في عام 2024 وحده، والإمارات اقتنصت نصيباً وافراً منها. يبدو أن المستثمرين الدوليين، بكل ما يملكونه من مستشارين، لم يقرأوا التغريدات التحذيرية، وقرروا بجهلهم التام أن يضعوا ملياراتهم في «فقاعة»! مساكين، ألا يعرفون أن هناك شخصاً يجلس في مقهى يعرف الحقيقة؟

وكأن هذا لا يكفي، يأتينا رؤساء مجموعات الأعمال العاملة تحت مظلة غرفة تجارة دبي ليجمعوا على أن الثقة باقتصاد دبي راسخة ومستدامة. يتحدثون عن «ديناميكية ومرونة استثنائية». أين هؤلاء من الحقيقة التي يعرفها «الخبراء»؟ أم أنهم مشغولون جداً بتوسيع أعمالهم وتحقيق الأرباح، حتى لم يجدوا وقتاً لقراءة التحليلات المصيرية؟ والأكثر إثارة للسخرية في هذا كله، هو أجندة دبي الاقتصادية «D33»، تلك الخطة الطموحة التي وضعها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لتكون دبي ضمن أفضل 3 مدن اقتصادية في العالم بحلول عام 2033. هل يخطط أحد لعشر سنوات لشيء يعتقد أنه سينهار غداً؟ ودبي السادسة عالمياً في مؤشر المدن الذكية لعام 2026. يا لها من فقاعة محترمة!

في نهاية المطاف، أريد أن أطمئن الجميع: القطط والكلاب في دبي بخير تام. والوافدون لم يهربوا جماعة، بل إن كثيراً منهم يأتون كل يوم يبحثون عن فرصة في مدينة تفتح أبوابها للموهوبين والطموحين.

أما أصحاب نظرية «الفقاعة»، فلهم مني كل التقدير. استمروا في «التخليل» أقصد التحليل والتنبؤ، فالتاريخ يحتاج إلى من يوثّق كيف أن «فقاعة» دبي ترفض الانفجار منذ ثلاثين سنة، وتنمو وتزدهر. هذه حتماً أطول فقاعة في تاريخ الاقتصاد البشري، وتستحق أن تُدرَّس كنموذج فريد لـ«الفقاعة الأبدية التي لا تنفجر»!