حين توفي راعي الحقوق المدنية الأمريكي، جيسي جاكسون، الشهر الماضي، تذكرت اللقاء الذي أجريته معه في القاهرة عام 1989.. وقتها كنت أعد لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية، وكان موضوع دراستي هو حملته الانتخابية للرئاسة الأمريكية عام 1988.

كان جدول أعماله في القاهرة مزدحماً، فاقترح فريقه المساعد أن أعقد معه ذلك اللقاء بالسيارة، بينما يتنقل من اجتماع لاجتماعه التالي! وافقت بالطبع، كان الوقت ضيقاً للغاية، فطرحت الأهم فقط من النقاط.. ولمحت في الرجل دماثة خلق واهتمام كبير بدراسة علمية تتناول حملته الانتخابية.

وبينما كان يودعني على باب السيارة بعد اللقاء، طلب من أحد مساعديه قبل رحيلهم من القاهرة، أن يمدني ببعض الوثائق المتعلقة بالحملة، وهو ما لم يكن في تقديري مجرد اهتمام بعمل أكاديمي يتناول حملته، وإنما يتعلق برؤيته للعلاقة الوثيقة بين كفاحات دول جنوب العالم، وكفاح السود في بلاده.

رحت أتذكر تفاصيل اللقاء، وكيف أثرت دراستي لحملته الانتخابية في فهمي للسياسة الأمريكية الداخلية والخارجية، فرغم أن تلك الحملة التمهيدية لم تنتهِ بفوز جاكسون بترشيح الحزب الديمقراطي، تماماً كما حدث في حملته الأولى في انتخابات 1984، إلا أن الحملتين أثرتا بشكل فاعل في الخطاب السياسي العام بالولايات المتحدة، وأرستا اللبنات الأولى نحو تفاعلات سياسية غيّرت وجه العمل السياسي داخل الحزب الديمقراطي.

قدم جاكسون وقتها خطاباً سياسياً مختلفاً، صدم الكثيرين في أمريكا ممن اعتادوا على خطاب تقليدي استمر لعقدين على الأقل.. فمارتن لوثر كينغ، كان قد اغتيل في الستينيات، ومر عقدان من التراجع، حتى إن الثمانينيات مثلت ميلاً جارفاً للبندول نحو اليمين، بانتخاب رونالد ريغان للرئاسة، ثم نائبه بوش الأب بعده، وقد شهدت فترتا ريغان تراجعاً ملحوظاً عن الكثير من مكتسبات حركة الحقوق المدنية، والنكوص عن الكثير من الوعود التي كانت الولايات المتحدة قد قطعتها على نفسها تجاه قضايا المساواة والعدل الاجتماعي.. فقانون حق التصويت الذي صدر عام 1965، لم يكن يتم تفعيله في الكثير من المناطق، خصوصاً في ولايات الجنوب.

وغياب المساواة الاقتصادية، التي تسببت فيها تاريخياً العبودية، ثم الفصل العنصري، لم تشهد أية محاولات جدية لعلاجها.

جاكسون، ابن الجنوب الأمريكي، الذي ولد أثناء الفصل العنصري، وعاش مراراته، ثم اشترك في حركة الحقوق المدنية، حين كان شاباً، وضع نصب عينه إحياء حلم العدل الاجتماعي، ليس فقط للفقراء السود، وإنما لكل الفقراء الأمريكيين، بمن فيهم البيض، وهو لذلك، أنشأ في حملته الانتخابية، ما أسماه وقتها ائتلاف قوس قزح، أي ذلك الذي يضم كل الألوان والأعراق والإثنيات، وكان من بينهم بالمناسبة، الأمريكيون العرب، الذين حرص على أن يخاطبهم ويتناول قضاياهم.

لكن جاكسون أيضاً لم يفصل بين الحقوق المتساوية داخل بلاده، والأوضاع في العالم. فاستخدام العنف ضد السود في أمريكا، كان عنده لا يمكن فصله عن استخدام القوة العسكرية الأمريكية خارج الحدود. والدعوة للمساواة بين كل الأمريكيين، لم تنفصل عنده عن مظالم دول جنوب العالم.. لذلك، وفي زمن الحرب الباردة، التي رشح جاكسون نفسه للرئاسة مرتين خلالها، رفض سباق التسلح النووي، ودعا إلى محاصرته.

ووقف مناصراً لحقوق شعوب الجنوب في العدل والحرية. وظل شعار حملته السلام في العالم والعدل في أمريكا، تجسيداً للقضيتين اللتين ظلتا على أولوياته بعد حملتي الرئاسة. وكثيرة هي الوساطات الدولية التي قام بها حول العالم، سعياً نحو تجنيب الشعوب ويلات الحروب.

ورغم أن جاكسون لم يكن أول أسود يترشح للرئاسة في أمريكا، إلا أنه كان أول مرشح أسود يفوز في عدد من الولايات.. وهو وفق تقديرات الكثيرين، بمن فيهم باراك أوباما نفسه، الذي وضع اللبنات الأولى التي سمحت لأوباما بالوصول لمنصب الرئاسة بعد ذلك بعقود.. غير أن الأهم من هذا وذاك، هو أن جاكسون أحيا لدى ملايين الأمريكيين روح العمل القاعدي بين الناس، وخصوصاً بين من لا صوت لهم.. فالتغيير في أمريكا لا تنجزه سوى الحركات الاجتماعية.. وروح الحركات الاجتماعية، كانت قد خبت بعد أن توارت حركة الحقوق المدنية، وكادت أن تفقد كل ما حققته.