تحتل قضية الأسلحة النووية عناوين الصحف هذه الأيام لأسباب متعددة، ولكن أهمها الحرب التي تدور رحاها في منطقة الشرق الأوسط. البرنامج النووي الإيراني هو السبب الظاهر للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
ولكن أيضاً ومنذ أن اندلعت الحرب في أوكرانيا، وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أسلحته النووية على أهبة الاستعداد، ما أرجع هذه الأسلحة إلى الأجندة الدولية بعد أن خفت وهيجها منذ انتهاء الحرب الباردة. ولا شك أنه كانت وما زالت قضية الانتشار النووي تحتل مكانة مهمة في الأجندة العالمية.
لقد أقلق انتشار الأسلحة النووية العالم ولاسيما في منطقة ملتهبة أصلاً مثل الشرق الأوسط. وكان صدى الاختبارات النووية في جنوب آسيا عندما أعلنت كل من الهند وباكستان في سبعينيات وتسعينيات القرن المنصرم امتلاكهم أسلحة ذرية قوية وواسعة، حينها فرضت الولايات المتحدة عقوبات ضد البلدين.
البلدان في مواجهات عسكرية منذ إنشاء الدولتين، لكن إضافة بعد نووي إلى الخلاف كان مقلقاً. ويرى البعض أن امتلاك البلدين لإمكانيات نووية يعزز الاستقرار في المنطقة، لأن توازن القوى بين المتصارعين يقلل من مخاطر الحرب بينهما. وإن الحرب تحصل عند اختلال الميزان بين الطرفين.
ثلاثة عقود مضت ولم يكن هناك مواجهات عسكرية كبيرة بين البلدين إلا في إطار محدود في الكارجيل في العام 1999، والعام المنصرم حيث تواجه الخصمان اللدودان بالطائرات المقاتلة، وانتهت الحرب دون التورط في حرب شاملة بعد وساطات عدة.
شبه القارة الكورية تعاني اليوم من امتلاك كوريا الشمالية - التي هي في حالة عداء مزمن مع شقيقتها كوريا الجنوبية - لقدرات عسكرية نووية تهدد الاستقرار في المنطقة.
لا شك أن التواجد الأمريكي في كوريا الجنوبية الشقيقة يعزز من استقرارها ويردم الهوة بين الدولتين فيما يخص الأسلحة النووية.أثناء الحرب الكورية (1950 ــ 1953)، اقترح الجنرالات الأمريكيون على الرئيس هاري ترومان أن يستخدم الأسلحة النووية لحسم الحرب لصالح الولايات المتحدة. ولعل تجربة ضرب اليابان بقنبلتين نوويتين، والتي كانتا أول وآخر استخدام للقنابل النووية، أثرت على توصية الجنرالات.
ولكن ترومان أبَى أن يستخدم القنابل الذرية من منطلق أخلاقي، لأنه وجد غضاضة في استخدام أسلحة نووية ضد بلدين آسيويين في خلال أقل من عقد من الزمن. كما أن الاتحاد السوفيتي، والذي كان منخرطاً في الحرب الكورية، قد طور أسلحة نووية في 1949، وقد يستخدمها ضد القوات الأمريكية إذا ما بادرت بضربة نووية ضد كوريا الشمالية.
ويقال إن اليابان كانت مستعدة للاستسلام قبل الضربات النووية، إلا أن رغبة الرئيس ترومان لبث الذعر في الاتحاد السوفيتي، أمر بالضربتين النوويتين ضد اليابان. وقد تعلم ستالين، قائد الاتحاد السوفيتي الدرس بشكل كبير، وشرع في تطوير قدراته النووية.
منذئذ كانت العلاقات الأمريكية ـ السوفيتية يشوبها التوتر، خاصة في بعد استخدام النووي، حيث كان الاتحاد السوفيتي يمتلك عدداً أقل من الرؤوس النووية بكثير. ففي الخمسينيات من القرن الماضي، كان الاتحاد السوفيتي يمتلك حوالي ثلاثمائة قنبلة نووية مقابل ثلاثة آلاف قنبلة نووية تمتلكها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
إضافة إلى اختلال في ميزان القوة النووية بين قطبي النظام العالمي، فإن وسائل إيصال هذه الأسلحة إلى أهدافها كانت منعدمة بالنسبة للاتحاد السوفيتي. لم تكن الولايات المتحدة تمتلك صواريخ بالستية كوسيلة إيصال للأسلحة النووية، بل كانت معتمدة على الطائرات التي تحمل قنابل نووية وتستطيع إيصالها لأهدافها داخل الحدود السوفيتية.
ومن هنا، انطلق سباق التسلح بين العملاقين لجهة الوصول إلى التكافؤ الاستراتيجي. ولكن خلقت هذه الحالة ديناميكية عمقت من شدة السباق النووي. فالسعي لتحقيق تكافؤ نووي يجعل من الخصم منكشفاً للآخر، وبالتالي يسعى لتحقيق تكافؤ وتجسير الهوة، وتعود الكرة وهكذا دواليك.
وعندما فطن الاثنان إلى المعضلة الأمنية والتي تغذيها ديناميكية سباق التسلح ويزيد من نفقاتهم العسكرية دون زيادة في المعادلة الأمنية، عقد الطرفان مفاوضات لخفض التسلح وإيقاف التصاعد العمودي لامتلاك أسلحة أكثر وإنفاق متزايد على التسلح.