عندما يقفز مظلي من الطائرة مرتدياً الباراشوت فهو يُقدم على «مخاطرة» يمكن حساب تداعياتها. أما إذا قفز من دون سترة نجاة فهو يقفز إلى المجهول أو ما يُعرف في علم اتخاذ القرار بـ«عدم اليقين». فالمخاطرة Risk يمكن قياسها بالاستناد إلى بيانات سابقة أو إحصاءات، أما عدم اليقين Uncertainty فلا يقاس بل يُواجه.

وبالفعل عندما تتأمل المخاطر تجدها قرارات سبق أن اتخذت ولذلك يمكن قياس مخاطر سقوط شخص من لعبة «قطار الموت» الترفيهية بناء على المعلومات التاريخية، وهي تكاد تكون معدومة. وتشير البيانات إلى أن احتمالية تعرض المرء لحادث سيارة أكبر بمئة مرة من تعرضه لحادث طائرة. هذا ما تشير إليه الأرقام. والأمر نفسه في حساب نسبة تعثر العملاء في سداد قروضهم التمويلية، إذ يمكن حسابها بسهولة بناء على سجلات المصارف. ليس ذلك فحسب بل يمكن العودة إلى الأرقام ومعرفة تفاصيل نسبة سداد المتقاعد والشاب ومن هو في منتصف العمر ثم تحديد الشروط التمويلية بناء على ذلك إن كانت الجهات الرقابية تسمح بذلك.

أما عدم اليقين فهو حالات لا نعرف فيها كل النتائج. ولذلك تُدار بالخبرة والتجربة وشيء من الحدس. وليس هناك وقت مثالي لاتخاذ القرار، فقد يكون انتظار الوقت هو الخطأ بعينه. ذلك أن التأخر في حسم الموقف قد يكون القرار الأسوأ على الإطلاق. ويجدر التفريق بين «عدم اتخاذ القرار» عمداً والتردد أو التلكؤ. ففي أدبيات اتخاذ القرار يعد عدم اتخاذ القرار هو قرار وجيه أحياناً. مثل اعتقاد المسؤول بأنه ليس هناك مشكلة أصلاً. ذلك أن إجراءات اتخاذ القرار تبدأ بعد الاعتراف بوجود تحدٍّ أو مشكلة تتطلب حلاً.

من حلول التعامل مع عدم اليقين، أن نُقدم على اتخاذ القرار بعد توافر نحو 70 في المائة من المعلومات، أو توافر الحد الأدنى من المعلومات للتحرك. هناك أيضاً طريقة «الاختبار الصغير» وهي تجربة القرار على نطاق محدود قبل التوسع فيه. مثل قياس ردود أفعال العملاء أو المراجعين حول خدمة معينة خلال فترة زمنية محددة. قبل أيام قرر مجلس الوزراء المصري إغلاق المحال والأسواق المغلقة والمطاعم والمقاهي ابتداءً من الساعة التاسعة مساء، نتيجة لظروف قاهرة وهي سابقة في القاهرة التي تعد مدينة مسائية. لكن قيل إن القرار سوف يطبق لمدة شهر ليتسنى لهم تقييم التجربة. وهناك مثال عالمي آخر حينما قررت أمازون الأمريكية سابقاً أن تقدم خدمة التوصيل لبعض المنتجات في اليوم نفسه قبل التوسع في التجربة. كانت حينها مفاجأة سارة للجميع.

حالات عدم اليقين يصعب إزالتها، لكن يمكن إدارة آلية التعامل معها لتقليل تداعياتها. ولذلك هناك معلومات إحصائية ورقمية مذهلة عن سلوكيات الناس وحاجاتهم ورغباتهم يمكن الاستناد إليها لدعم متخذ القرار والتخفيف من وطأة قراراته.

أما المخاطرة فهي جزء أساسي في كل شيء نقوم به. وقد ترأست لجان مخاطر عديدة منبثقة من مجالس إدارة لشركات مدرجة في البورصة. أكاد أجزم أن جداول قراراتنا التي يقدمها لنا المدقق الخارجي لا تخلو من مخاطر. ولذلك هم يصنفون المخاطر إلى لون أحمر أي مرتفع المخاطرة، ولون برتقالي متوسط، ولون أصفر أي أدنى مخاطرة.

وهناك جزئية مهمة ينبغي الانتباه إليها عند الإطالة في اتخاذ القرار. فالإفراط في التحليل هو هروب نفسي من اتخاذ القرار.

بشكل عام يمكن القول، إن الغموض عدو لدود للبشر. ولذلك لا يميل الناس نحو اتخاذ قرارات في أجواء تكتنفها الضبابية. غير أن التفريق بين المخاطرة وعدم اليقين وفهم كيفية التعامل مع كل منهما، كفيل بتخفيف وطأة التداعيات.