«كسر الأنف» موجع، ولن تجد أكثر وضوحاً من حال الفرس لتستبين هذا، فبعد بناء دولة مسروقة كأنظمة سياسية ومالية ومعمارية بالكامل من بابل «العربية» العظيمة، استمرت لأربعة قرون وهي تنشر الدمار والقتل في شعوب الأناضول وشعب بلاد الإغريق، ولما أراد الله كسر أنفها أسقطها العرب المسلمون في سنتين فقط، لذلك كان الألم أكثر وجعاً!

التاريخ لا يكذب، والوقائع أوضح من أن يتم إخفاؤها، فالفرس لم ينتصروا على العرب لا في جاهلية ولا في إسلام، ما عدا عثرة وحيدة لخطأ في معركة الجسر ومقتل قائدهم أبو عبيد الثقفي رضي الله عنه، أفضى لانسحاب العرب رغم أن خسائر الفرس كانت ضعف خسائرهم، ثم عادوا بعد أسابيع قليلة وألحقوا بالفرس هزيمة ساحقة في معركة البويب، ومن حينها لم تُرفَع للفرس راية فوق رايات العرب والمسلمين.

إنّ الحقد الفارسي لنظام ملالي إيران لا ينطفئ في قلوبهم أبداً ولن ينطفئ، وكأنهم أعادوا إحياء نار المجوس التي كانوا يعبدونها لتضطرم غِلّاً في قلوبهم، وحتى يسوّقوا ذاك الحقد الدفين في قطاعات من الجماهير العربية ذات الفكر الضحل والذاكرة الصفرية و«الـمُشتّتة» بسوء أوضاعها المحلية، فقد ألبسوا ثأرهم الأزلي ضد العرب مسوحاً من الدين «المهجّن» و«الثأر» المقدّس بزعمهم!

يُقال في الحكمة: «اعطِ الوقت بعض الوقت»، فالزمن كفيل بكشف كل الأقنعة، فهناك من يُعاديك معاداةً ظاهرة فذلك عدو شريف، وهناك من يلهج ليل نهار بالسعي للتقارب والتكامل مع الجوار كما تفعل «جارة السوء» إيران، لكن في كل موقفٍ حَرِج يظهر وجه الضبع وقلب الشيطان، فهذا عدو نذل، وهناك عدو أنذل من بني جِلدتك العرب، وممن يجمعك معه أكثر بكثير مما يجمعه مع ذلك الغادر الفارسي، لكنّه يتحزّب سريعاً في صفه، أو بالأصح يقف خلفه داعماً، فالفارسي لا يراه مكافئاً له ليقف بجانبه، ولنا سابق عِبْرَة في ما فعله الفرس في أنصارهم العرب من إذلال واستمتاع بتقبيل العربي الشيعي لقدم الشيعي الفارسي وبفيديوهات صادمة لم نكن لنصدقها لو قيلت لنا!

طبعاً أذل من هذا الصنف، ذاك العربي الذي لا يجتمع معهم كمذهب طائفي، لكنه يتمنى لك الشر، ويستشيط غضباً وحماسة وهو يملأ منصات التواصل الاجتماعي دفاعاً عن إيران الغادرة وتباكياً على الإسلام الـمُحارَب، وسباً وشتماً وتسويقاً لأي أكذوبة ضد دول الخليج وشعوبها المسلمة، وتشفياً غريباً لِـمُصاب إخوانه «العرب»، «المسلمين»، «السنّيين»، «الـمُعتدى عليهم»، ثم لا ينقضي عَجَبُك وأنت تراه يستدعي تاريخه القديم وأمجاد أجداده الذين لا يَعرفون لماذا يستدعيهم هذا الأحمق وقد أتوا جميعاً من جزيرة العرب التي يصب عليها جام غضبه وكامل سخيمة نفسه، فأي قضية يرفع هذا؟ وأي حق يتحدث عنه؟ وأي حرب للإسلام وهو يصطف مع أكبر من أساء للإسلام وممن جرّ على المسلمين كل حروبه طيلة وجوده!

الصنف الأخير من الأعداء هو الرمادي، الفئة المحايدة، التي تنتظر لمن تميل الكفة ليسارع في القفز على قاربها، وهنا وفي مثل هذه الأزمات والمواقف لا يُختبَر الناس بما يقولون فقط، بل بما يصمتون عنه، ولا يُكتفى بشعاراتهم التي يرفعون، بل عمّا يسكتون عنه عندما يستبين الخير من الشر. لدانتي مقولة معبرة يقول فيها: «أشد الأماكن في الجحيم لمن يلتزمون الحياد في أوقات الظلم»، فمن لم يقف مع الحق، فقد وقف بصمته مع الباطل!

إنَّ العِزّة لا تُشترَى، وسُمو النفس لا يُستعار، وهذه الدار المباركة دار عز وأرض فخر وبلد كرامة، فنحن نحترم من يستحق الاحترام، ولكن لم يُخلَق بعد من يستحق أن ننحني له، فأجدادنا البعيد منهم والقريب اختاروا أن يموتوا وقوفاً على علياء الشرف، وكان بإمكانهم أن يرضوا بالعيش كالبعض أذلّةً في قيعان التنازلات والبيعات والشعارات الموبوءة، لأن من جرّب الانحناء مرّةً اعتاد عليه، ومَن يرفض الهوان بداية لن يقبل به أبداً بعد ذلك.

حتى لا نُخْدَع أو ننسى أو نُسامِح بطيبة قلوبنا كالعادة، لا بد من أن نتذكر أمراً: أنّ الشخص المحايد بينك وبين من يغدر بك ويعتدي عليك هو شخص باعك قبل المعركة، وخانك خلالها، وكان ينتظر سقوطاً ويتمناه، وسيأتي معتذراً ومتغنياً بشعارات السماح و«حب الخشوم» إنْ خرجت منها منتصراً، فتذكّر بأنّ الإنسان في ساعة العدوان والغدر لا ينجو بالحياد ولكنه يُدان به!