لكن الخليج لم يتوقف عند الصدمة، حوّلها إلى نقطة انطلاق، فاستثمر في تحديث دفاعاته وعمّق شراكاته الأمنية وأعاد بناء مجلس التعاون على أسس أكثر صلابة، وخرج بقناعة لم تتزعزع: في لحظات الأزمة لا يُعتمد إلا على القدرة والإرادة.
شاهدت دول الخليج تفكك دولة مجاورة، فاستقبلت اللاجئين وقدمت المليارات لإعادة الإعمار وحاولت احتواء الحرائق الطائفية، ومرة أخرى تحملت العبء وحدها وخرجت أكثر نضجاً وإدراكاً لطبيعة المنطقة.
لم تسقط صواريخ لكن الضرر الاستراتيجي كان حقيقياً، فسرّعت الإمارات تحولها لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للتكنولوجيا والسياحة والمال، وأطلقت السعودية رؤية 2030 لإعادة هندسة اقتصادها، ونوّعت دول الخليج مجتمعة علاقاتها الدبلوماسية واستثمرت في قدرات دفاعية ذاتية.
تعلّم الخليج في تلك المرحلة درساً جوهرياً: أن حتى أقرب الحلفاء يمكنه تغيير أولوياته دون سابق إنذار، وأن الاعتماد على الذات ضرورة وليس خياراً.
طرق بُنيت ومدارس مُوّلت واقتصادات استُقرّت وملايين العمال العرب وجدوا فرص عمل أبقت تحويلاتهم اقتصادات بأكملها قائمة.
المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قال: «الغني يجب أن يساعد الفقير، والله العلي القدير منحنا هذه الثروة لتطوير بلادنا، وفي الوقت نفسه للمساهمة في تطوير الدول الأخرى»، هذه الفلسفة حكمت سلوك دول الخليج عبر عقود، لكن التضامن بطبيعته يسير في اتجاهين، وفي ساعة الخليج الأشد حاجة منذ عام 1990 كان الصمت من زوايا كثيرة في العالم العربي والإسلامي مدوياً.
دول الخليج لم تبدأ هذه الحرب ولم تسعَ إليها، عُمان كانت تتوسط في مفاوضات وصفها وزير خارجيتها بأن السلام «في المتناول»، وأمير قطر سعى جاهداً لدى واشنطن لمنع استخدام قواعد خليجية ضد إيران، اعتذر الرئيس بزشكيان ثم ضرب الحرس الثوري مجدداً، وزعمت طهران أنها تستهدف أصولاً أمريكية فأصابت محطات غاز ومصافي نفط ومطارات ومنازل.
نموذج الدعم غير المشروط للعالم العربي سيُعاد فيه النظر جذرياً، ستكون هناك استراتيجيات مختلفة وأولويات مختلفة، والدول والمؤسسات التي صمتت، بينما كانت الصواريخ الإيرانية تضرب مدن الخليج ستجد أن الذاكرة الاستراتيجية الخليجية طويلة، وأن شراكات المستقبل ستعكس دروس هذه اللحظة.
ستعود الرافعات إلى الأفق وستُصلّح المصافي وسيتدفق مضيق هرمز مجدداً، لكن ما لن يعود كما كان هو فهم الخليج للعالم من حوله، ما سيحلّ مكانه خليج يستثمر في نفسه أولاً، ويختار شركاءه بناء على موثوقية مُثبتة، ويبني مستقبله على يقين قدراته. النار حقيقية، لكن الفولاذ الذي تصنعه أيضاً حقيقي.
