لا يمكننا الفصل بين العدوان الإيراني على دول الخليج العربي وبين عدد من التساؤلات حول العمل العربي المشترك والمنظمات العربية، ويأتي على رأس هذه التساؤلات السؤال الجوهري حول فاعلية جامعة الدول العربية.

فحين تتعرض دول عربية لعدوان مباشر يمس أمنها واستقرارها ويهدد مواطنيها، هنا نكون في لحظة اختبار حقيقي لجدوى المنظمات والتحالفات العربية.

العدوان الإيراني كشف بوضوح الفجوة بين ميثاق الجامعة والواقع، لنكن صريحين وبعيداً عن الدبلوماسية، المنظمات السياسية لا تقاس أهميتها وفاعليتها بتاريخها بل بمدى قدرتها على التحرك والفعل،.

لذا نحن اليوم في لحظة تستدعي تقييم جامعة الدول العربية ودورها وأهميتها والفائدة منها، مع علمي أنها ما هي إلا مجرد انعكاس لواقع ووضع الدول العربية.

نطرح السؤال اليوم ليس من باب الترف الفكري أو الجدل الأكاديمي، بل هو سؤال سياسي مباشر يفرض نفسه بقوة، لذا لا بد من مناقشته وبحثه، ما الجدوى من وجود جامعة الدول العربية؟ وما قيمتها؟

حين يهدد أمن دول الخليج العربي، هنا يُختبر ما يطلق عليه «الأمن القومي العربي»، نحن فعلاً في لحظة تقييم، حيث سقطت الشعارات «والواقع أصدق أنباء من الخطب».

في عالم السياسة، لا تقاس المنظمات بتاريخ تأسيسها ولا بعدد وبلاغة بياناتها، بل بفعلها ومواقفها وتحركاتها في وقت الأزمات، حين تعرضت دول الخليج العربي لعدوان واعتداء إيراني غاشم.

هذا كان اختباراً للنظام العربي بأكمله، بمنظماته ودوله ونخبه، فكانت إجابات الاختبار صادمة: صمت، تردد، بيانات متأخرة، ومواقف متخاذلة.

لا يمكن اعتبار الصمت حياداً أو حكمة، بل هو عجز سياسي إن لم يكن تواطؤاً غير مباشر، نحن نعيش في عالم تحكمه السرعة والحسم، التأخر في اتخاذ المواقف يفقدها قيمتها، ويحولها إلى مجرد رد فعل بلا أثر.

حقيقة، جامعة الدول العربية عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة، بل هي غير قادرة حتى على توحيد الخطاب السياسي في لحظة تهديد ما يسمى بالأمن القومي العربي إن كانوا يعتبرون أمن الخليج العربي جزءاً منه، دول الخليج العربي قادرة على حماية نفسها ومقدراتها، لذا لم تطلب تشكيل تحالف عربي عسكري.

ولا مدها بجيوش عربية، بل كان المطلوب فقط موقفاً سياسياً واضحاً، وإدانة صريحة ومباشرة، لا التبرير للعدوان الإيراني كما فعل البعض.

هنا تبرز التساؤلات التي طرحها معالي الدكتور أنور قرقاش بوضوح: «أين مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك؟ وأين الدول العربية والإقليمية الكبرى؟»، هذه التساؤلات لا تحمل طابع العتاب فقط.

بل تعكس أزمة ثقة عميقة تتشكل بصمت منذ سنوات، وانفجرت اليوم وظهرت على السطح، فالعلاقات الدولية لا تُقاس بما يُقال في أوقات الرخاء، بل بما يُفعل في الأزمات.

قدمت دول الخليج العربي نموذجاً في إدارة الأزمة، حيث جمعت ضبط النفس والقدرات الدفاعية والتحركات الدبلوماسية.

والاستناد على الشرعية الدولية التي أدانت الاعتداءات الإيرانية بوضوح، كل ذلك يدل على الرؤية والفكر الاستراتيجي الخليجي، الذي لا ينتظر دعماً عربياً، بل يعرف أمنه ويدافع عنه بأدواته وتحالفاته الواقعية.

وبمقارنة سريعة مع «الناتو» حيث تفعل آليات الدفاع الجماعي فوراً إذا تعرض أي عضو للتهديد، لأنه صمم ليكون أداة ردع حقيقية، أما في الوضع العربي، هناك مسافة واسعة بين التضامن والدفاع كشعار، والقدرة على الفعل والتحرك.

لذا علينا أن ندرك الحقيقة، بأن المشكلة ليست في ضعف الأداء، بل في غياب الإرادة السياسية، وغياب الرؤية المشتركة.

في الواقع، ما بعد العدوان الإيراني سيكون مختلفاً، ومن المتوقع أن دول الخليج العربي ستعيد تقييم المنظمات والتحالفات والعلاقات مع الدول الأخرى، في وقت الأزمات لا ننتظر البيانات بل الأفعال، ولا الخطابات بل القرارات.

وعلى القابعين في الماضي، وأصحاب الشعارات، والواهمين بالأيديولوجيات البالية، الانتباه والخروج من القوقعة، فالعالم تغير والواقع مختلف عما يعتقدون.

إذن لحظة التقييم ليست خياراً، بل ضرورة حتمية، المنظمات أو المؤسسات لا تسقط بقرار، بل تسقط عندما تفشل في تحقيق أهدافها وأداء وظائفها، وعندما تفقد الثقة فيها وبأهمية وجودها.

المتابع للوضع الإقليمي، يرى أن دول المنطقة ستتجه نحو صيغ جديدة للتحالفات والتعاون، فللحفاظ على المكتسبات ولحماية أمنها، لا بد من وجود تحالفات مرنة قادرة على التحرك والاستجابة بسرعة ومن دون تردد.