هل الثقة بالآخرين قرار نتخذه أم شعور ننتظره؟ تكمن مشكلة الثقة في أنها أساس كل العلاقات والتعاملات، من أبسطها إلى أعقدها. فهي الأرضية الصلبة التي نقف عليها مع الآخرين، لكنها سرعان ما تهتز عند أول خذلان. ولهذا تبدو الثقة مسألة شديدة التعقيد، بين من يمنحها قبل أوانها، ومن يبالغ في معايير من يثق بهم إلى حد يفقدها بساطتها.
فقد يتسرع أحد بالوثوق بآخر لمجرد أنه يعرفه أو يعرف دائرة المقربين منه، ثم يُصدَم بنتائج «الثقة العمياء». أما النوع الثاني فهو «الثقة المشروطة» التي تتطلب الحد الأدنى للسلوك أو السمعة، أو الحد الأدنى للبنود المقبولة في العقود قبل اتخاذ قرار الثقة. واللافت أن ذلك ليس كافياً. فقد رأينا في التجارة وغيرها من يضرب بعرض الحائط التزاماته المكتوبة، ويطالبك بالذهاب إلى المحكمة أو التحكيم.
حتى المؤسسات الكبرى تهتز ثقتها بسبب حوادث صادمة. فربما لا يعلم الجيل الشاب أنه في الولايات المتحدة حتى تاريخ 11 سبتمبر 2001 كان في مقدور أي شخص غير مسافر أن يصاحب المسافرين ويودعهم عند باب الطائرة. إذ لم يكن هناك أي حواجز للتفتيش بعكس ما كان سائداً آنذاك في معظم مطارات العالم، وذلك لثقة الأمريكيين بالناس وبنظامهم. المطار كان أشبه بـ«المول» التجاري تودع أحبابك ثم تعود، حتى وقع الهجوم البغيض على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بالطائرات المخطوفة. هنا غيرت أمريكا والعالم أجمع نظام التفتيش كلية، وصار المطار أقرب إلى منطقة أمنية مشددة... والسبب أن تلك الحادثة هزت جذور الثقة.
مشكلة الثقة أنها قد تنكسر كالزجاج ويصعب إصلاحها، أحياناً، غير أنه في حالات أخرى يمكن استعادتها بجلب قيادي محنك أو أفراد مهنيين يعيدون للمؤسسة مجدها السابق أو يفتحون آفاقاً جديدة تعزز ثقة الناس بها. ويمكن تفادي اهتزاز الثقة بتأهيل الصف الثاني لتولي مناصب عليا، حتى لا تحدث فجوة. والفجوات الإدارية لا تحدث مصادفة، بل قد يكون هناك تقصير في تأهيل البديل والكفاءات التي تسد فراغ من غادرنا فجأة.
وبشكل عام، تُستمد الثقة من المصداقية، والعمل الدؤوب، وسجل الإنجازات المشرف. فالمرء قد يستطيع أن يخدع الناس بعض الوقت (بجهود زائفة) لكنه لا يستطيع أن يخدعهم طول الوقت.
ولعل من المفارقات أن الناس كثيراً ما تبني ثقتها على إشارات خاطفة، كلغة الجسد ونبرة الصوت. وقد اطلعت على دراسات تشير إلى تفاوت الشعوب في مدى اعتمادها على هذه المؤشرات السطحية. فبعضهم يمنح ثقته قبل أن يبذل الحد الأدنى من التحقق من النزاهة أو المصداقية. وهذا ليس مجرد انطباع، بل حقيقة تؤكدها الأبحاث. ومع ذلك تبقى هذه الإشارات قرائن أولية لا تكفي لبناء الثقة. ربما تفيد في بدايات العلاقة، لكنها لا تصلح أساساً يُعتمد عليه، سواء في التعامل مع الموظفين أو الشركاء التجاريين.
ولذلك كان من الأمور المهمة في بناء روابط وطيدة من الثقة وجود «الاتساق» أي هل ما زال ذلك السلوك المحمود (كالأمانة وغيرها) ثابتاً لا يتغير. وهل هناك «شفافية» لا يخشاها الطرف الآخر. إذ تكشف الشفافية «خوافي» عديدة في العلاقات، لكن من يخشاها فقد يخفي أمور كثيرة. ومن مؤشرات المهمة أيضاً معرفة ما إذا كان الفرد يتحمل بكل شجاعة مسؤولية الخطأ قبل البحث عن المبررات وهكذا. هذا شعور مريح لمن يتعامل معه.
والمشكلة أنه كلما كبرت المؤسسات زادت الحاجة إلى إدارة كاملة كالحوكمة والتدقيق لمراجعة القرارات. فلا يمكن للقياديين وضع أيديهم على مكمن الخلل من دون أنظمة تُطبّق أفضل التطبيقات العالمية في الرقابة. حتى البقالة الصغيرة يمكن تخفيض مخاطر اهتزاز الثقة في العاملين عليها بوضع آلية لإدارة النقدية اليومية وجرد المخزون آلياً وغيرها.
الثقة منطلق كل العلاقات، وعندما تغيب أو تختل تهتز معها علاقاتنا. وكما قيل «إذا كنت تخشى خيبة الأمل، فتجنب الثقة المطلقة من البداية».