في أتون الحروب والصراعات والأزمات تنكشف المعادن، وتتجلى المواقف، وتسقط الأقنعة والشعارات، وقد كشف الصراع الذي يعصف بالمنطقة اليوم عن حقائق مؤلمة، تضعنا أمام دروس تاريخية، ووقفات تأملية، تجعل من المراجعة ضرورة ملحة، مراجعة الصديق الحقيقي من غيره، والحليف الصادق من الزائف، ومن يقف معنا بحق وصدق، ومن يتغنى بالشعارات، ويفر في الشدائد والأزمات، فضلاً عمن يرينا في الرخاء الورود، ويطعننا في الأزمات بخناجر غادرة.

إن ما تشهده الساحة الإقليمية اليوم من صراع محتدم ومن توترات عابرة للحدود ومن اعتداءات إيرانية سافرة وغاشمة على دولنا، وضعت الجميع أمام اختبارات حقيقية للمواقف والسياسات، فأبسط ما يمكن أن يُفعل هو إدانة هذه الاعتداءات، واستنكار هذه الهجمات التي تعتدي علينا، وتستهدف أمننا واستقرارنا، بل إن الواجب يفرض اتخاذ مواقف حازمة وجماعية، تترجم التضامن العربي تجاه هذه الاعتداءات الغاشمة، وتجعل من أمن الخليج العربي خطاً أحمر لا يقبل المساومة أو المهادنة، وبناء جبهة سياسية ودبلوماسية تعري هذه الممارسات الإجرامية أمام المجتمع الدولي، وتضع حداً لهذا العدوان الغاشم، هذا ما كان ينبغي على أقل تقدير، باعتبار دولة الإمارات ودول الخليج جزءاً لا يتجزأ من هذا الوطن العربي، وأمنها من أمنه، ولكن الواقع كان صادماً، فالخذلان كان سيد الموقف، بل تجاوز البعض ليسقط في مستنقع التحريض والتبرير، وأخطأوا في حساباتهم خطأ شنيعاً، مراهنين على انكسار إرادتنا، وقد خاب مسعاهم، وأسقط الواقع أوهامهم.

إن ما نراه اليوم من خذلان في بعض المواقف، ومن صمت مريب لبعض الأشقاء والأصدقاء والحلفاء يضعنا أمام درس تاريخي أساسي، وهو أن الأمن القومي يُصان بالاعتماد الكلي على الذات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في وحدة الصف وتماسك البنيان، والاعتماد على الذات في حماية المكتسبات، وصيانة المنجزات، وردع الحاقدين والطامعين، وفي تقوية اللحمة الخليجية، وإعادة تقييم العلاقات مع الأطراف التي غاب دورها في وقت الشدة فضلاً عمن كانت له أدوار سلبية، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو دولاً.

وقد أدركت القيادة الحكيمة في وطننا برؤيتها الثاقبة أن بناء الإنسان والبنيان هو الحصن المنيع، وأن توفير الحياة الهانئة المستقرة يتطلب عيناً ساهرة على الحدود، وعقلاً سياسياً حكيماً، وعملت بكل جهدها على إسعاد الإنسان وتأمين عيشه الكريم، ويتجلى ذلك بوضوح في قدرتها على تجنيب الوطن هذه الصراعات، وفي حرصها على استباق المخاطر عبر بناء منظومات دفاعية واقتصادية ومعرفية متطورة، فالإنجاز والتميز الذي نعيشه اليوم هو ثمرة عمل دؤوب وتخطيط سليم يضع مصلحة الإمارات فوق كل اعتبار، ليظل بيتنا متوحداً صامداً كالطود الراسخ والبنيان الشامخ أمام المتربصين وأطماع الحاقدين.

ومن هنا فإن دروس الأزمة تضعنا أمام مسؤولية تاريخية في تعزيز تلاحمنا المجتمعي، وتحصين أجيالنا بقيم المواطنة الحقة، التي تدرك قيمة المنجزات، وتقدر حجم التضحيات، وتلتف حول القيادة الرشيدة في السراء والضراء، مؤمنة بأن البيت المتوحد حصن منيع، وأن المصير مشترك، وأن ما تحقق على هذه الأرض الطيبة أمانة كبرى، تستوجب علينا جميعاً أن نكون حراساً أوفياء لوطننا، ومدافعين أشداء عن حياضه، فالتحدي الخارجي الذي كشف زيف الكثيرين يتطلب جبهة داخلية صلبة، تقوم على التلاحم والتآزر والتكاتف والتوحد خلف راية قيادتنا التي تنطلق بسفينة الوطن إلى آفاق العز والمجد والريادة والصدارة.

ومن أهم الدروس المستفادة من هذه الأزمة فرز التحالفات وتمحيص الصداقات، فقد أخبرنا الواقع أن البعض قد يغيب في أوقات الشدة، وأن الصدق في العلاقات يظهر في الأفعال والمواقف لا في الشعارات البراقة التي تتبخر عند أول اختبار حقيقي، فالأزمات رغم قسوتها هي غربال يكشف معادن الآخرين، ويؤكد أن الرهان الحقيقي هو على أبناء الوطن، وعلى من أثبتت الأيام صدق أخوتهم ونبل معدنهم.

إن دولة الإمارات تخرج من الأزمات دائماً أكثر صلابة وأشد عوداً، لأنها تملك الحكمة في التعامل، والقوة في المواجهة، والصدق في التوجه، وهذه الحقائق التي نجمت عن هذه الأزمة تجعلنا أكثر تمسكاً بقيمنا الوطنية، وأكثر إيماناً بأن قوتنا في وحدتنا، وفي التفافنا حول قيادتنا، مؤمنين بأن الإمارات ستظل بإذن الله تعالى دائماً وأبداً واحة أمن وأمان ومنارة أمل ورخاء وازدهار.