يقول الكاتب وليد الرجيب، ما مفاده أنه مرت على الكويت 3 عقود من النهضة الموسيقية في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين، التي تطورت فيها الموسيقى والأغنية الكويتية، بحيث وصلت إلى مستويات راقية، قياساً بدول الجوار الخليجي، بل وعبرت الحدود وانتشرت في بقية الدول العربية، وذلك في حوار له نُشر بصحيفة «الرأي» الكويتية (17/2/2008).

والحقيقة أن عوامل كثيرة ساهمت في هذه الريادة الكويتية على مستوى منطقة الخليج العربي، منها ذهاب بعض أبناء الكويت إلى مصر لدراسة الموسيقى والفنون، فلما تخرجوا وعادوا إلى وطنهم، واستخدموا علومهم الموسيقية في تطوير الإيقاع والتراث الفني والموسيقي الكويتي، ومنها تأسيس المعهد العالي للفنون الموسيقية، ليقدم مادة علمية أكاديمية للدارسين والدارسات من الكويت، ومختلف دول الخليج العربي.

ومنها أيضاً أفضال المرحوم حمد عيسى الرجيب (1922 ــ 1998) على الموسيقى والموسيقيين الكويتيين، والتي تجلت في تأسيسه لدائرة الشؤون الإجتماعية، والعمل قبل استقلال الكويت، ومن ثم شروعه، بحكم منصبه، في إنشاء «مركز رعاية الفنون الشعبية» في عام 1956، وتم تشكيل لجنة مكونة من أعلام الأدب والثقافة العاشقين للفن والتراث الشعبي في الكويت، من أمثال عبد العزيز حسين التركيت، وأحمد بشر الرومي، ومحمد جاسم المضف، وسعود راشد، وأحمد مشاري العدواني، بهدف تطوير كل ماله صلة بالغناء والموسيقى والفنون الشعبية.

ومن الأسباب الأخرى، في سياق ما نتحدث فيه، استقدام الموسيقار والملحن وعازف الكمان المبدع نجيب رزق الله، الذي وقع عليه الاختيار من قبل نائب حاكم الكويت في تلك الفترة، الشيخ عبد الله المبارك الصباح (1914 ــ 1991)، ليؤسس ويقود ويطور فرقة الموسيقى بدار الإذاعة الكويتية، في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، في وقت كانت فيه إذاعة الكويت في مرحلة التحديث والتقوية والتطوير، لجهة الأجهزة والكوادر والبرامج، بهدف إيصال صوت البلاد إلى دول الجوار والبلاد العربية.

يقول رزق الله في حوار مسجل مع تلفزيون الكويت سنة 1964، إنه حينما حلّ في الكويت، لم يجد في إذاعتها فرقة موسيقية متكاملة الأدوات والعازفين، فعمل على تأسيسها من تسعة عازفين ومطربين، اختار عدداً منهم من موسيقيي الكويت، وأضاف إليهم عدداً من العازفين المهرة، ممن جلبهم من مصر والعراق تباعاً.

من هؤلاء العازفين المهرة، الذين اختارهم رزق الله وجلبهم إلى الكويت من مصر، عازف الكمان حمدي الحريري، الذي سيخلفه في قيادة فرقة الموسيقى بالإذاعة الكويتية، رئيساً لها وعازفاً أساسياً للكمان منذ عام 1973، أي بعد رحيل رزق الله إلى جوار ربه في السادس من يونيو من عام 1972. ولأن حمدي الحريري أحد العرب الذين أفنوا حياتهم في خدمة الكويت وفنها وثقافتها وتاريخها الموسيقي، وعشقوا الكويت وأهلها وتقاليدها، فقد ارتأينا أن يكون محوراً لهذه المادة.

نشرت صحيفة «القبس» الكويتية في العاشر من أبريل 2006، مقالاً عنه بقلم الكاتب صالح غريب، وردت فيه شهادات في حق صاحبنا. إذ قال عنه الموسيقار محمد عبد الوهاب أمام مجموعة من أشهر الموسيقيين المصريين: «هذا العازف استطاع أن يجعل أوتار الكمنجة تنطق بما يقوله اللسان». وقال عنه الدكتور حمد الهباد، الأستاذ في المعهد العالي للفنون الموسيقية بالكويت: «حمدي الحريري يعتبر من الأساتذة الذين أسسوا الحركة الموسيقية والغنائية في دولة الكويت، عبر الإذاعة الكويتية. وكان لنا الشرف في العمل معه، حيث كان أستاذاً في معهد الدراسات الموسيقية من عام 1972م إلى 1975م، ثم بعد ذلك أستاذاً في المعهد العالي للفنون الموسيقية لآلة الكمان حتى وفاته».

وأشاد به الدكتور بندر عبيد عميد المعهد العالي للفنون الموسيقية بالكويت، فوصفه بالأستاذ الكبير، ذي العقلية المتنورة في البُعد الموسيقي، والعازف العربي الوحيد الذي عاش في الكويت وفهم الموسيقى الكويتية من ناحية التفاعيل الإيقاعية الكويتية، وأعطاها حقها بالعزف وكتابة النوتة، مضيفاً أنه كان إذا سمع شيئاً غير طبيعي، ينصحك على الفور بتغييره.

أما زميله ومواطنه الموسيقار محمد سعيد البنا، فقد قال عنه: «حمدي الحريري فنان بمعنى الكلمة. كان عازفاً متميزاً على آلة الكمان، وقائداً موسيقياً ممتازاً للفرقة الموسيقية في الإذاعة الكويتية، والفرقة الموسيقية للمعهد العالي للفنون الموسيقية، وقائداً للكثير من الحفلات الشعبية في الإذاعة والتلفزيون. كانت أخلاقه حميدة، وكان دقيقاً في مواعيده، وهو أحسن من ينوت الأغاني في الكويت».

أبصر «حمدي مصلح الحريري» النور في حي الجمالية بالقاهرة، بتاريخ الخامس من أبريل سنة 1945. كان ميلاده في بيت فني عريق، ووسط عائلة محبة للموسيقى والعزف والغناء. فوالده مصلح الحريري، كان أستاذاً في أكاديمية الفنون بالقاهرة، وعمه عازف العود والكمان عبد المنعم الحريري (1924ــ 1989)، تعلم الموسيقى في «معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية»، ثم التحق بالمعهد العالي للموسيقى المسرحية، وتخرج عام 1949، وعمل مع فرق إبراهيم حمودة وصالح عبد الحي ومحمد عبد الوهاب. كما عمل لمدة 20 عاماً، أستاذاً لآلة الكمان في المعهد العالي للتربية الموسيقية في القاهرة، قام خلالها بتدريب فرقة الإنشاد الديني، التي أنشأها المعهد، وكان أحد أقدم العازفين الرئيسين في فرقة كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، بعد كريم حلمي ومحمد القصبجي ومحمد عبده صالح. أما العم الآخر للمترجم له، فهو الموسيقار الكفيف مرسي الحريري (1913 ــ 1960)، الذي كان ملحناً ومطرباً وعازفاً على العود، ومتزوجاً من المطربة والعازفة إحسان عبده، وهو واحد ممن تلقى الفنان الكويتي الكبير عوض الدوخي على أيديهم العزف على العود، حينما كان مقيماً في الكويت في الخمسينيات، بعد أن استقدمه رزق الله ليكون مطرباً ضمن فرقة الإذاعة الموسيقية. وللمترجم له عم ثالث، هو الشيخ درويش الحريري (1881 ــ 1957)، وكان منشداً من رواد عصر النهضة في القرن التاسع عشر، وزميلاً للمطرب والملحن القديم كامل الخلعي (1870 ــ 1931). إلى ذلك، فإن شقيقه الأصغر منير الحريري المولود في عام 1949، هو الآخر من عازفي الكمان المهرة، علماً بأنه جاء إلى الكويت في أكتوبر 1977 للعمل في فرقة الإذاعة الموسيقية إلى جانب أخيه، فعزف خلف كبار الفنانين الكويتيين، وظل يعمل حتى وقوع الغزو العراقي للكويت، حيث سافر بعدها إلى القاهرة، للعمل في إذاعة «صوت الكويت الحرة»، تحت إشراف الموسيقار الكويتي يوسف المهنا. ومنير الحريري المولود في عام 1949، من جانب آخر، له بصمات في مسرح الطفل، من خلال التلحين أو تأليف الموسيقى التصويرية، أو التوزيع الموسيقي لأعمال الأطفال، مع الفنانة هدى حسين، مثل: مسرحيات «الواوي وبنات الشاوي»، «البنات والساحر»، «الذيب والعنزات الثلاثة»، «ليلى والذيب»، وغيرها.

وبالعودة إلى سيرة المترجم له (حمدي الحريري)، فإنه لا عجب، لمن نشأ وترعرع في بيت فني عريق كهذا، أن يولع بالموسيقى، وأن يعشق العزف على آلة الكمان تحديداً، وهو في سن الثامنة من عمره.

بعد أن أكمل صاحبنا تعليمه العام، التحق بكلية التربية الموسيقية في القاهرة، التي تخرج فيها في عام 1965م، ليعمل مباشرة في الكلية نفسها معيداً لمدة ثلاث سنوات، بسبب تفوقه، ثم عمل في الفرقة الذهبية بقيادة صلاح عرام. ولحسن حظه، عاش الحريري في زمن الموسيقيين العرب العمالقة، من أمثال رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد الموجي، وعاصرهم، وتعلم من مدارسهم المتنوعة. الأمر الذي أهّله ليلتحق بفرقة أم كلثوم، كأصغر عازف كمان في فبراير 1968، حيث إن العزف مع فرقة أم كلثوم ليس سهلاً أو ميسوراً لكل عازف، وله شروط صعبة، أولها أن تتوفر في العازف كفاءة استثنائية في العزف على آلته، لكن الحريري تمكن بسهولة من اجتياز هذا الشرط، فعزف خلفها العديد من الروائع الكلثومية، ومنها: الأطلال، وفات الميعاد، وفكروني، واسأل روحك، وبعيد عنك، وغيرها. وهذا ساهم بدوره في اختياره من قبل الموسيقار الكبير نجيب رزق الله للعمل بالكويت.

وهكذا، وصل الحريري إلى الكويت في الثامن من ديسمبر سنة 1968، للعمل عازفاً على الكمان في فرقة الإذاعة الموسيقية، مذاك وحتى عام 1973، ثم واصل العمل، لكن كقائد للفرقة حتى عام 1990. وبعد الغزو العراقي لدولة الكويت، وما أحدثته القوات الغازية من دمار وتخريب في استوديوهات فرقة الإذاعة الموسيقية، اتجه الحريري لتدريس مادة الكمان في المعهد العالي للفنون الموسيقية، وظل يعمل هناك حتى حانت منيته في العاشر من أبريل سنة 2002، بمستشفى الدكتور حسين مكي جمعة، الذي كان يتعالج فيه من سرطان الغدة اللمفاوية، فتم دفنه في الكويت، البلد الذي عاش فيه أجمل سنوات عمره، بناء على وصته.

ومما يذكر للحريري، أنه خلال عمله في الكويت، لم يعزف فقط خلف ثلة من أشهر نجوم الغناء الكويتي، من أمثال عوض الدوخي وعبد الحميد السيد، ومصطفى أحمد وحسين جاسم وغريد الشاطئ وعبد المحسن المهنا وعبد الكريم عبدالقادر ويحيى أحمد، وإنما كانت له أيضاً أنشطة فنية متنوعة أخرى، امتدت إلى قيادة فرقة التلفزيون الموسيقية أثناء الحفلات الشعبية المصورة، وأثناء تسجيل وتصوير أغاني كبار المطربين والمطربات الكويتيين، وكذلك حفلات العيد الوطني، التي تقيمها سنوياً وزارة الإعلام، ويشترك فيها غالبية المطربين في دولة الكويت، وعدد من أشهر المطربين والمطربات العرب.

إلى ذلك، قام بتلحين عدد كبير من الأغنيات العاطفية والوطنية للمطربين الشباب، وسافر مع فرقة التلفزيون قائداً لها، لتمثيل الكويت في العديد من الحفلات الخارجية والأسابيع الثقافية، علاوة على قيامه بتنويت الأغاني، والمشاركة في الحفلات الخاصة.

وخلال إقامته في الكويت ما بين مطلع السبعينيات وحتى وقوع الغزو العراقي الغاشم، قام أيضاً بتأليف الموسيقى التي صاحبت عدداً من المسلسلات والمسرحيات والبرامج التلفزيونية الكويتية، مثل أوبريت «بعد العسل» و«مسابقات رمضان» (ستوب قف هوب) و«مسابقات رمضان» (طق الباب). كما قام بالتوزيع الموسيقي لأعمال، منها: مسرحية «أحلام زيدان»، وأوبريت «والله زمن»، ومسلسل «خرج ولم يعد»، ومسرحية «الخاتم العجيب» ومسلسل «شمس الضحى»، ومسرحية «أحمد والأسود»، وسباعية «رقية وسبيكة»، ومسلسل «المغامرون الثلاثة»، ومسرحية «عنترة بن شداد»، ومسلسل «النصيب»، ومسلسل «رحلة العجائب»، الذي كان آخر الأعمال التي شارك فيها.