قرأت خبرين، أحدهما من أبوظبي، والآخر من دبي، ولكن المعني فيهما كان واحداً رغم اختلاف المضمون بينهما، ورغم أن الموضوع الذي يحمله الخبر الأول، كان يختلف كلياً عن الموضوع في الخبر الثاني.

ليس هذا وفقط، ولكن القارئ الذي طالعهما لا بد أنه رأى فيهما ما رأيته من إشارات ذات معنى، وهي كذلك، لأنها تأتي في القلب من الأجواء المؤسفة التي تخيم على المنطقة، بينما يستقبل أبناؤها العيد أو يحتفلون به بعد أن غادر شهر الصيام.

الخبر الأول يقول: إن الإمارات تواصل إرسال الطائرات الإغاثية إلى غزة، وإن جسر حميد الجوي يواصل إرسال الطائرات الإغاثية المحملة بالمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وإن ذلك يجيء ضمن الجهود الإنسانية المتواصلة لدولة الإمارات العربية المتحدة في إطار عملية «الفارس الشهم 3» دعماً للأشقاء الفلسطينيين، وتخفيفاً لمعاناتهم في ظل الأوضاع الصعبة التي يشهدها القطاع.

أما الخبر الثاني فكان عنوانه كالتالي: بلدية دبي تعلن جاهزية الحدائق والمرافق والشواطئ لاستقبال العائلات خلال عيد الفطر، أما تفاصيله فكانت أن بلدية دبي أعلنت خطة رقابية موسعة استعداداً للعيد، تتضمن جولات تفتيشية مكثفة، وحملات رقابية ميدانية على مختلف الأنشطة والمنشآت في الإمارة، وأن الهدف هو ضمان سلامة الأغذية والمنتجات الاستهلاكية، والتأكد من الالتزام بمعايير الصحة والسلامة العامة.

هذان هما الخبران باختصار، وهذا هو مضمونهما بإيجاز، وهذا هو المعنى المباشر في كل خبر منهما على حدة، ولكن يبقى المعنى الآخر غير المباشر، الذي يستطيع القارئ أن يلمحه أو أن يراه واضحاً بين السطور، فالظروف في المنطقة في هذا العيد ليست كالظروف في العيد السابق عليه، وهي كذلك في الإمارات بحكم أنها جزء من المنطقة.

وعلى الرغم من الاعتداءات الإيرانية السافرة بالصواريخ والمسيّرات والتي يتم التعامل معها والتصدي لها بكفاءة عالية، فإن هذا الظرف الإقليمي ثم المحلي لم يجعل الإمارات تتخلى عن مسؤوليتها تجاه الأشقاء في قطاع غزة، ولا جعل البلدية في دبي تتخلى عن مسؤوليتها تجاه تهيئة الأجواء لمن شاء من العائلات أن يستقبل العيد.

تستطيع أن ترى في الخبرين جاهزية عالية، وتستطيع أن ترى فيهما رغبة في أن تظل الدولة ملتزمة بما لا بد أن تنهض به أو تقدمه، ولا فرق بين أن يذهب ما تنهض به أو تقدمه إلى غيرها في أرض فلسطين، أو إلى المواطنين والسكان في أنحاء دولة الإمارات، احتفالاً بالعيد الذي جاء فلم يجد المنطقة كما تركها في السنة الماضية.

كان في مقدور الإمارات أن تقول إن الأجواء أجواء حرب، وكان في مقدورها أن تجد في ذلك عذراً للتحلل مما بقيت تقدمه للأهل في غزة، منذ أن قامت عليهم الحرب في السابع من أكتوبر 2023، ولكن القيادة الرشيدة لم تشأ أن تفكر بهذه الطريقة، ولا أن تتحلل من مسؤوليات بدأتها، وتعتقد أن عليها أن تتمها إلى آخرها.

رغم أجواء الحرب المخيمة في الأفق، ورغم الاعتداءات السافرة بالمسيّرات والصواريخ، إلا أن الإمارات رأت أن جسر حميد الجوي لا بديل عن أن يواصل عمله، وأن عملية «الفارس الشهم 3» لا بد أن تمضي في طريقها، وأن الفلسطينيين الذين ينتظرون ما يرسله الجسر ويحمله الفارس الشهم لا بد أن يجدوه حاضراً بين أيديهم.

وكذلك كان الحال في دبي فلقد كان في إمكانها أن تقول إن الظرف لا يسمح بالذهاب إلى شاطئ، ولا بالجلوس في حديقة، ولا باستخدام هذا المرفق أو ذاك من بين مرافق الإمارة.

كان في إمكانها أن تقول ذلك، وتعلنه ثم لا يكون عليها ملام، ولكنها اختارت أن تنحاز للإنسان كما اعتادت، وبادرت البلدية فيها فأعلنت ما أعلنته في ثنايا الخبر على العائلات، وقالت إن ظروف الحرب لن تمنع الناس من استقبال العيد كما عاشوا يستقبلونه من قبل، وأن مَنْ شاء أن يحتفل بالعيد أو يستقبله من المواطنين أو الوافدين فسيجد المرافق جاهزة، والشواطئ مستعدة، والحدائق مهيأة، تنتظر وتستقبل وتحتفي بالزائرين من المواطنين والمقيمين.

هذه الجاهزية العالية التي يكشف عنها الخبران هي في الحقيقة روح للعمل في الإمارات، ولا بأس بعد ذلك أن تتجسد هذه الروح، فيما ألزمت الدولة نفسها به إزاء الأهل في فلسطين، أو أن تتجسد هذه الروح نفسها فيما ألزمت الجهات المعنية في الدولة نفسها به من استعدادات تجاه كل مواطن، وكل مقيم وزائر ممن لا ذنب لهم فيما تشهده المنطقة أو تواجهه أو تعانيه.

تستطيع أن ترى في الخبرين على اختلاف موضوعيهما أنهما إشارة إلى أن دولة الإمارات قادرة على أن تتعامل مع المسيّرات والصواريخ، وأن تصدها بإحدى يديها، ثم باليد الأخرى تمارس ما تجد أن عليها أن تمارسه من التزامات في داخلها، وفي خارجها على السواء.