إن مسيرة الأوطان العظيمة الرائدة تكتب بعزيمة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه في كل الساحات والميادين الوطنية، ويبنى مجدها التليد بدماء جنودها البواسل المخلصين، الذين ينسجون بتضحياتهم أروع البطولات، ويسرجون بتفانيهم مشاعل الوفاء والولاء والانتماء في أبهى التجليات.
ولقد أثبتت دولة الإمارات العربية المتحدة عبر تاريخها المشرق أنها مصنع الرجال الأوفياء، ومنبت الأبطال الشجعان الذين يقدمون أرواحهم الغالية فداءً لتراب هذا الوطن، وتلبية لنداء الحق والواجب.
وقد تجلت أصالة المعدن الإماراتي في أبهى صورها وأسمى معانيها عبر مواقف تفيض عزة وشموخاً، وتنبض بالولاء والانتماء والوفاء، وبالأخص في أوقات الأزمات والتحديات التي تظهر المعادن الحقيقية للرجال.
وإن ما سطرته كلمات الشهيد البار علي الطنيجي ووالده يمثل المعدن الإماراتي الأصيل، ويجسد قيماً بهية تترجم الرضا بقضاء الله وقدره، والجاهزية المطلقة لتلبية نداء الواجب دون أدنى قيد أو تراخٍ، وتعكس حس المسؤولية الوطنية العميقة، وهكذا هم أبناء الإمارات ورجالها وجنودها.
وتتجلى هذه الصورة الوطنية المشرقة حين نستمع إلى حديث والد الشهيد، الذي قدم أروع معاني الصبر والرضا، وتحدث بلسان الفخر والاعتزاز عن ابنه الذي تمنى نيل الشهادة فاستجاب الله دعاءه، واحتفى به شهيداً عند الله بإذنه، وقد استشهد وهو يخدم وطنه، ويحرسه من كيد الأعادي، ويسهر من أجل أن يهنأ أبناء الوطن بالأمن والأمان.
وهكذا يسطر أبناء الإمارات في كل يوم فصولاً من المجد والعز، وتتجلى في كلماتهم وأفعالهم الروح الوطنية القوية الصادقة، وتظهر في مواقفهم قيم التضحية التي غرسها الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في نفوس هذا الشعب الكريم، ونمت في ظل القيادة الحكيمة، حتى غدت شجرة باسقة متفرعة الأغصان، لا تثمر إلا خيراً ومجداً وتضحية وعطاءً.
إن حديث والد الشهيد علي الطنيجي يمثل مدرسة في الصبر والاحتساب، ويقدم للأجيال درساً بليغاً في قيم المواطنة الأصيلة، فعندما يتحدث الوالد عن ابنه بملء فمه فخوراً به وبإنجازه وارتقائه إلى ربه، فإنه ينطق بلسان كل بيت إماراتي.
ويعبر عن قيم وطنية راسخة ترى في الشهادة وساماً، وفي بذل الروح من أجل الوطن فخراً واعتزازاً، وهذا هو المعدن الإماراتي الأصيل، الذي لا تزيده الأيام إلا ضياءً وصفاءً، فهو معدن لا يصدأ، وجوهر لا يتغير في السراء والضراء.
ويشهد التاريخ أن الإماراتيين أشداء بواسل، حماة الدار ودرع الوطن الحصين، وتأتي كلمات الشهيد علي الطنيجي قبل نيله شرف الشهادة لتؤكد هذا المعنى العميق، فقد كان يدرك تمام الإدراك عظمة الأمانة التي يحملها، ويستشعر المسؤولية الملقاة على عاتقه، فمضى إلى ميدان الشرف بقلب جسور وعزيمة لا تلين، ويقين بأن ما عند الله خير وأبقى، وأن خدمة الوطن عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، وواجب يتسابق إليه المخلصون من أبناء هذه الأرض الطيبة.
وهنا يبرز دور الأسرة الإماراتية التي تربي أبناءها على حب الوطن، وتزرع فيهم قيم الولاء والانتماء، وتنشئهم على احترام الواجب وتقدير المسؤولية، فوالد الشهيد علي الطنيجي نموذج للأب المربي الملهم، الذي قدم ابنه قرة عينه فداءً للوطن.
واستقبل الخبر بقلب صبور راضٍ، معتبراً أن الشهادة أعظم وسام يتركه الابن لأهله ووطنه، وهذه الروح هي التي تجعل من المجتمع الإماراتي سداً منيعاً أمام كل الطامعين، وحصناً حصيناً يحمي المكتسبات ويصون المنجزات.
كما تعكس هذه الصورة التلاحم الفريد بين القيادة والشعب، وتجسد أسمى معاني الوحدة والاتحاد، وتعكس أن البيت الإماراتي متوحد في الشدائد، وتبرز في مثل هذه المواقف صور رائعة من التلاحم الاجتماعي.
حيث يلتف الجميع حول أسر الشهداء، ويشاركونهم مشاعر الفخر والاعتزاز، ويؤكدون أن دم الشهيد هو دم لكل إماراتي، وأن ذكراه العطرة ستظل خالدة في وجدان الوطن، تستلهم منها الأجيال معاني الشجاعة والإقدام، وتتعلم منها كيف يكون الإخلاص للوطن عملاً وتضحية.
إن القيم التي جسدها الشهيد ووالده قيم جوهرية، تؤكد أن الشخصية الإماراتية تتميز بسمات أصيلة، منها الثبات عند الملمات، واليقين الذي يملأ النفوس بأن بذل الروح في سبيل الوطن هو أسمى مراتب الجود، وأعلى درجات الوفاء، فتراهم يتسابقون إلى ميادين الشرف بقلوب قوية راضية، ويواجهون التحديات بنفوس أبية شامخة، لتظل الإمارات هانئة مستقرة، ولتبقى رايتها خفاقة عالية.
نسأل الله العلي العظيم أن يتغمد شهداءنا الأبرار بواسع رحمته، وأن يسكنهم فسيح جناته في أعلى عليين، ويجزيهم عن وطنهم خير الجزاء بما قدموا وضحوا وأوفوا، وأن يحفظ دولة الإمارات، ويديم عليها نعمة الأمن والأمان، ويجعلها دائماً عزيزة منيعة شامخة مستقرة.