الهوية الإماراتية ليست فقط في المظهر، بل في القيم السامية التي نحملها معنا أينما ذهبنا.
من لم يكن فلن يكون، ولو كان بعد حين، ومن كان ولا يزال، فسيبقى دائماً وأبداً. تلك ليست مجرد عبارة، بل مفتاح لفهم ما تبقى في الذاكرة، وما يُغرس في القلوب دون ضجيج. فالهويات الحقيقية لا تُعلن بصوت عالٍ، بل تُمارس في التفاصيل، وتظهر في المواقف، وتُختبر في أصعب اللحظات.
في أيام العيد من عام 2012، كنت في رحلة علاج برفقة والدتي -رحمها الله- في واشنطن العاصمة. كان المكان بعيداً عن الوطن، لكن الشعور لم يكن كذلك. كنا نحمل معنا عاداتنا، تفاصيلنا الصغيرة، وطقوسنا التي لا ترتبط بمكان، بل بروح تسكننا أينما كنّا.
العيد بالنسبة لنا لم يكن مجرد مناسبة عابرة، بل كان امتداداً للفرح المشترك، وللهوية التي نعيشها بكل تفاصيلها. ولذلك حرصنا على أن نحيي طقوس العيد كما اعتدنا، حتى ونحن على بعد آلاف الكيلومترات.
قررنا أن نُدخل فرحة العيد إلى قلوب الآخرين، فجهزنا العيدية وبعض الهدايا، وخرجنا لنشاركها مع من حولنا. وسط ذلك المشهد، كانت والدتي -رغم ظروفها الصحية- هي الأكثر حضوراً.
جلست على كرسيها المتحرك، ترتدي الزي الإماراتي بكل فخر، وتحمل العيديات بيد وقلب ممتلئ بالمحبة. لم يكن المرض عائقاً، ولم يكن التعب سبباً للتراجع. كانت تبتسم لكل من تلتقيه، وكأنها تمنحهم شيئاً أكبر من مجرد هدية.
كانت تقول: «أنا من الإمارات، وهذه عيدية بسيطة... أتمنى أن ترسم الابتسامة».
لم تكن كلماتها مجرد عبارة، بل كانت رسالة إنسانية صادقة؛ أن الفرح يمكن أن يُصنع، وأن الهوية الحقيقية تترجم في أفعال بسيطة، لكنها عميقة الأثر.
اجتمع حولها عدد من الناس، صغاراً وكباراً، بعضهم يعرف معنى العيد، وبعضهم يعيشه لأول مرة بهذا القرب. ولكن الجميع شعر بشيء واحد: أن هناك روحاً مختلفة، روحاً دافئة تشبه الوطن، حتى وإن كان بعيداً.
في ذلك اليوم، لم تكن العيدية مجرد مال أو هدية، بل كانت قيمة. كانت درساً في العطاء، في البساطة، وفي نقل الفرح للآخرين دون انتظار مقابل. علمتنا والدتي أن الهوية لا تُحمل في الكلمات، بل تُعاش في المواقف، وأن تمثيل الوطن يكون بابتسامة، وبعطاء صادق، وبقلب مفتوح للجميع.
رحم الله أمي، فقد كانت مثالًا للإنسان الذي يصنع الفرح رغم الألم، ويترك أثراً لا يُمحى. لقد أدركت يومها أن الهوية الإماراتية ليست فقط في المظهر، بل في القيم السامية التي نحملها معنا أينما ذهبنا. وهكذا، تبقى بعض الذكريات دروساً في الحياة، أكبر من أن تُروى، لكنها تكتب... لتذكّرنا بأن الفرح الذي نزرعه في قلوب الآخرين، يعود إلينا حياة لا تزول.