حين تنادي الأوطان فرسانها وأبناءها، يلبون نداءها بزئير الأسود، ويُرخصون من أجلها الغالي والنفيس، وهذا هو الشعور الذي شعرتُ به حين سمعت هذه القصيدة الرائعة «إمام الطموحات» التي ألقاها سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، بصوته المفعم بالفروسية والشجاعة والتحدي، مرفوعة إلى مقام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وكاشفة عن بعض مناقبه قائداً فذاً لهذا الوطن، يتصف بكل صفات القادة الكبار من حكمة وشجاعة، ومعبراً بهذه القصيدة المبهرة عن الموقف المتماسك لجميع أبناء هذا الوطن بالتفافهم حول قيادتهم، ووقوفهم صفاً واحداً في وجه جميع التحديات، لتكون هذه القصيدة الرائعة عنواناً لهذه المرحلة الحساسة من مسيرة الوطن، وتأكيداً على عمق التلاحم بين القيادة والشعب.

يا ناعم العود لو فرقاك حتميه

اليوم يوم الوصل لا تِطري مْفَارق

خل الغلا والعلاقات الغراميه

القلب في بحر تمجيد الوطن غارق

على الرغم من المحتوى الجسور لهذه القصيدة إلا أن سمو الشيخ حمدان بن محمد افتتحها بهذا المطلع الغزلي الرقيق على عادة أسلافه من شعراء العرب الذين يرون في هذا التقليد الفني الراسخ علامة من علامات النبوغ الشعري والتفوق الأدبي، وفيه دلالة على أنه مهما كان شأن الحبيبة غالياً فإن المسؤولية تجاه الوطن وقائده هي في المقام الأعلى، وهو ما عبّر عنه سموه في مطلع هذه القصيدة بكل أصالة واقتدار.

حيث يخاطب حبيباً من أهل النعمة الوافرة والنعومة الساحرة، طالباً منه أن يتحمل لوعة الفراق الحتمية، وأن ينسى ألم الفراق ومشاعر الغلا والعلاقات الغرامية إكراماً للوطن الذي يستحق أن يغرق القلب في بحر محبته وتمجيده، وينسى كل العلاقات الغرامية في سبيل مجد الوطن والذود عن حياضه وكرامته.

الأجواء في يومنا هذا حميميه

يحن رعد الفخر والمجد له بارق

والدار في ظل فخر الدار محميه

دون المذلة يوقف مجده العارق

وزيادة في توضيح الموقف يبدع سمو الشيخ حمدان بن محمد في رسم صورة مدهشة لمشاعر الفخر والاعتزاز من خلال التأكيد على حميمية الأجواء العامة التي تستدعي الإفصاح عن مشاعر الفخر والاعتزاز بهذه القيادة الشجاعة.

حيث أبدع سموه في رسم صورة منتزعة من مظاهر الطبيعة، وتجمع على نحو بديع بين الرعد والبرق، تماماً مثلما يجتمع الفخر والمجد، ليكون البيت التالي تعبيراً صادقاً وحميمياً عن هيبة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، الذي هو فخر الدار وسيد البلاد، وبهيبته وسيادته يكون عز الوطن الذي يبذل في سبيل مجده كل مجد عريق، ويأبى بكل عزة وشمم أي موقف من مواقف الذل التي تضيع معها هيبة الوطن وهيبة أهله وفرسانه.

شيخٍ مرامي هلَ النخوة مراميه

يركد المستطيش ويرد ع المارق

أحداث الأيام، لو تبدو دراميه

تامن في ظله حمامه غصنها وارق

وتزداد نبرة الفخر في شعر سمو الشيخ حمدان بن محمد وهو يفاخر الدنيا بصاحب السمو رئيس الدولة، فهو شيخ شيوخ النخوة العربية حين تكون الحزات القوية، وهو الحكيم الذي يعرف كيف يروض كل طائش مغرور لا يعرف قوانين الحكمة في هذه الحياة، مثلما يرد على كل مارق خارج عن سرب جماعة الوطن ممن اختار العقوق في الحياة مذهباً.

وحين يكون صاحب السمو رئيس الدولة بهذه المنزلة العالية في الحكمة والشجاعة فإن عواصف الأيام مهما كانت عاتية لا تؤثر في شجاعة قراراته، وتكون بلاده آمنة، بحيث يستظل الحمام الوديع في ظلال أغصان دولته المزهرة أوراقها بكل ثمرة طيبة جنية.

هذا إمام الطموحات الأماميه

وبالغ المستحيل وصانع الفارق

بدد ظلام القيادات الظلاميه

ما بدد الليل شمس نورها شارق

في هذا المقطع من القصيدة تظهر اللؤلؤة اللامعة والعميقة التي يريدها الشاعر، وهي الثناء على صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، بأنه إمام الطموحات الأمامية بكل ما تقتضيه هذه الإمامة من مسؤوليات واستحقاقات، فالزعامة لا تكون بالجهود العادية، بل لا بد من زعامة كبرى قادرة على تجاوز المستحيل وصناعة الفارق، ويكون إشعاعها ساطعاً، بحيث يبدد جميع قوى الظلام، ولا سيما القيادات المغرضة التي لا تحب الخير لهذا الوطن، تماماً مثلما تبدد شمس النهار الساطعة ظلمات الليل البهيم.

مقامه أكبر من الحرب الكلاميه

في حرب الأفعال فعله دايماً حارق

لو كوكب الأرض فيه جبال مسمية

بو خالد.. أهو جبلنا يا جبل طارق

باب المراجل يا بو نفس عصاميه

لو تطرقه قال: حي الله ذا الطارق

ثم كانت هذه الخاتمة البديعة التي أبدع فيها سمو الشيخ حمدان بن محمد، وملأ القلوب بالفخر والاعتزاز بهذه القيادة الفذة والتي لا تتنازل إلى خوض الحروب الكلامية الفارغة بل هي مشغولة بالحروب الفعلية، حيث يكون للكلمة وزنها واستحقاقاتها، فهناك تظهر معادن الرجال.

حيث يكون فعله دائماً حارقاً لكل الخصوم والأداء من غير كثرة كلام فيما لا طائل تحته، فهو رجلُ قولٍ وفعل، ولو كان للجبال أسماء ثابتة لكان اسم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد موافقاً لجبل طارق، هذا الجبل العظيم الذي ينتصب بكل شموخ وإباء في أبرز نقطة للقاء المصالح العالمية، وها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد يتسنم ذروة المجد بروحه العصامية وشخصيته الشجاعة التي تجعله يضع كل الصعوبات في مكانها.

بحيث لو جاءته التحديات تطرق بيته لقال لها بكل ترحيب: حي الله ذا الطارق، في إشارة من الشاعر سمو الشيخ حمدان بن محمد إلى ما يتمتع به صاحب السمو رئيس الدولة من بعد النظر في السياسة وحكمة تدبير الأمور، ليكون، فعلاً وقولاً، امتداداً أصيلاً لذلك القائد الباني المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي غادر هذه الدنيا وهو يوصي أولاده وكل رجال الدولة بأن تكون مصلحة الوطن فوق كل مصلحة واعتبار.