انتهى وقت الصبر الاستراتيجي في مضيق هرمز، ومع استمرار شلل هذا الممر المائي الضيق فعلياً بسبب الحصار الذي تفرضه طهران، يواجه المجتمع الدولي خياراً سيحدد ملامح ما يسمى بالنظام العالمي الجديد والعقد المقبل من الأمن العالمي: إما تشكيل تحالف حاسم لإعادة فتح الممر، أو التسليم بانتهاء عصر التجارة العالمية الآمنة.

ويتضح حجم تأثير الحصار المتزايد، إذ يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب 25% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً. ووفقاً للتقارير، كان المضيق يشهد أكثر من 150 عملية عبور يومياً قبل النزاع، نحو 90% منها لسفن الحاويات وناقلات النفط.

وفي 11 مارس، غادرت خمس ناقلات نفط فقط المنطقة، جميعها ترفع أعلام دول معينة، ما أدى إلى بقاء نحو 500 ناقلة عالقة في الخليج بعد أسبوعين من اندلاع الحرب، مع تعرض 16 سفينة على الأقل لهجمات أو حوادث، ومقتل ما لا يقل عن ثمانية بحارة.

ونتيجة لذلك اضطرت شركات طاقة كبرى، من بينها قطر للطاقة ومؤسسة البترول الكويتية وشركة بترول أبوظبي الوطنية، إلى وقف الإنتاج أو إعلان القوة القاهرة، نتيجة عدم قدرة الناقلات على تصدير الإمدادات.

في المقابل، لجأت السعودية والإمارات إلى استخدام خطوط الأنابيب لتجاوز المضيق، من خلال التصدير عبر البحر الأحمر أو ميناء الفجيرة، إلا أن هذه المسارات لا تستوعب سوى جزء محدود من الكميات المعتادة.

وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى ارتفاع أسعار النفط متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل، مع تسجيل مستويات وصلت إلى 125 دولاراً، في وقت بدأت فيه دول عدة تسجيل نقص في الغاز، وارتفعت أسعار اليوريا، أحد أهم الأسمدة الزراعية، بنسبة 25%، ما انعكس على أسعار الغذاء وزاد من معدلات التضخم.

ورغم أن الممر المائي مفتوح نظرياً وفق القانون الدولي، فإنه أصبح فعلياً غير متاح للشحن التجاري نتيجة قيام إيران بزرع الألغام البحرية وتوجيه هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة. وتشير تقارير إلى أن إيران فرضت على جميع السفن الحصول على إذن مسبق من طهران للعبور، في خطوة تُعد انتهاكاً واسعاً لقانون الملاحة الدولي.

وكان من الممكن أن تخفف مرافقة البحرية الأميركية للسفن من حدة الأزمة، إلا أن واشنطن أعلنت أنها «غير مستعدة» حالياً لمرافقة ناقلات النفط بسبب انخراط قواتها في عمليات قتالية نشطة.

وجاء ذلك بالتزامن مع تأكيد المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، في أول تصريح علني له منذ اختياره خلفاً لوالده الذي اغتيل، أن المضيق يجب أن يبقى مغلقاً خلال الحرب.

وتشير المعطيات إلى أن الأزمة لا تخص واشنطن وحدها، ولا ينبغي أن يتحمل الغرب مسؤولية حلها منفرداً، إذ إن الحاجة إلى تفويض موحد وفعّال لإعادة حرية الملاحة تمثل ضرورة آسيوية بقدر ما هي غربية، خاصة أن أكثر من 80 % من النفط العابر للمضيق يتجه إلى آسيا.

إذ تستورد الهند أكثر من 50 % من نفطها الخام من الخليج، فيما تعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، في حين تواجه اليابان وكوريا الجنوبية بالفعل أزمات طاقة، وتدرس عدة دول آسيوية السحب من احتياطياتها الاستراتيجية.

ومع ارتفاع التضخم، تمثل الأزمة تهديداً وجودياً لدول جنوب وجنوب شرق آسيا، حيث يشكل استقرار أسعار الغذاء أساس الاستقرار الاجتماعي، فيما يتوقع محللون أن يؤدي إغلاق المضيق إلى دخول اليابان في حالة انكماش اقتصادي، ما يجعل استمرار إغلاقه مساراً سريعاً نحو الركود الاقتصادي لتلك الدول.

وبعيداً عن هذه الوقائع، تبرز مخاوف أعمق بشأن النظام العالمي الجديد، إذ يُنتظر من الدول الآسيوية ودول الجنوب العالمي، المرشحة لتشكيله، تحويل الخطاب إلى واقع، حيث إن الصمت تحت ذريعة الحياد سيفقدها أي موقف أخلاقي مستقبلاً، ويعزز لدى القوى المراجعة فكرة أن قواعد البحر والحرب يفرضها المعتدون.

وفي ظل ترويج بعض العواصم لفكرة أن ما يحدث في الخليج نزاع إقليمي محدود، يحذر التقرير من أن النظر إلى الأزمة من زاوية النفط أو الغاز فقط يمثل خطأً استراتيجياً كارثياً، مؤكداً أنها أزمة اقتصادية عالمية تتطلب تشكيل تحالف دولي يتجاوز الخلافات السياسية، ويضم واشنطن وأبوظبي وباريس، إلى جانب بكين ونيودلهي وطوكيو.