القيادي المبتدئ يتسرع، أما الخبير فيدرك متى يتحرك ومتى ينتظر، ومتى يتعين ألا يتحرك أصلاً. كثير من النجاحات والانتصارات جاءت لأن أصحاب القرار آثروا التريث.
في أدبيات القيادة، نقرأ العديد من القصص التي تظهر التريث كخيار استراتيجي وتكتيكي. فعندما وقعت أزمة شركة تويوتا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2010، بسبب خلل في دواسات البنزين.
فآثرت الشركة إيقاف الإنتاج مؤقتاً وسحب ملايين السيارات من الأسواق، ومراجعة أنظمة الجودة بهدوء، فنجحت لاحقاً في تحقيق استعادة ثقة المستهلكين والعودة إلى صدارة مبيعات السيارات عالمياً.
والأمر نفسه حدث مع شركة أبل عندما تريثت لسنوات قبل دخول الهواتف الذكية، رغم كثرة «الجوالات» حينها، فأطلقت عام 2007 هاتف صدم العالم عندما رفعه ستيف جوبز على خشبة المسرح.
وقد رفع الستار عن حقبة تقنية غير مسبوقة غيرت وجه العالم حتى يومنا هذا. وذلك لأن اختراعه جاء بعد تأني مهد لنضج تقني ودراسة عميقة لحاجة السوق.
الأمر الذي مكّن الشركة لاحقاً من تقديم متجر تطبيقات مركزي فتح الباب أمام المطورين، ليصبح «الجوال» منصة مفتوحة لكل مبدع يأتي بتطبيق يستحق التحميل.
التريث ليس ضعفاً في القيادة، بل قدرة على مقاومة إغراءات القرارات السريعة. على سبيل المثال التريث قبل دخول سوق جديد، والانتظار حتى تتضح اتجاهات السوق، واختبار الفكرة على نطاق محدود قبل التوسع فيها، كلها حالات تعكس حكمة متخذ القرار.
في التخطيط الاستراتيجي، ليست كل فرصة جديرة بالاقتناص. فبعض الفرص تكون شوكة في خاصرة خصومنا.
وبعض الفرص سابقة لأوانها فينبغي تجاهلها. كالدخول إلى سوق ناشئ لم ينضج الطلب فيه، أو إطلاق منتج قبل اكتمال التقنية، أو الاستحواذ على شركة في ذروة تضخم أسعارها.
في عالم الاستثمار، يضرب المثل في نهج أغنى أغنياء العالم «وارن بافيت» (95عاماً)، الذي يحتفظ بسيولة كبيرة لسنوات مترقباً الفرصة المناسبة للانقضاض على أسهم هوت أسعارها في الأزمات.
وهو القائل إن أفضل صفقة هي تلك التي لا تُعقد. وقد أثبتت الأزمة المالية عام 2008، صواب هذا النهج، إذ حقق ثروة هائلة بعد هبوط الأسواق.
ولذلك نردد في عالم الاستثمار قاعدة بسيطة: أنك حين ترى الناس تبكي في أسواق المال، فتلك لحظة اقتناص الفرص، وحين تعم البهجة، ربما يجدر المغادرة.
ويصبح التريث خياراً بديهياً عند نقص المعلومات، إذ إن شحّها لا يقود عادة إلى قرار قوي واثق. لذلك يُلجأ إلى التخمين أو الاستناد إلى الخبرة السابقة، أو استخدام الحدس في حدود معقولة لسد الفجوة بين نقص المعلومة والقرار.
والتريث في مواجهة خصم متعجل يكشف أخطاءه. بعض التحولات تشبه عاصفة من الغبار، ما إن تنقشع حتى تتضح الرؤية. وأحياناً يكون التريث ضرورة حين تكون الموارد محدودة، فنحمي أنفسنا من الاستنزاف.
وفي المنافسات الضارية، أو ما يُعرف في التخطيط الاستراتيجي بـ«محيط الدماء» (Blood Ocean)، تضطر بعض الشركات إلى حفظ جزء من مواردها إلى حين.
وقد سجل التاريخ حالات انسحبت فيها شركات كبرى مؤقتاً من أسواق شديدة التنافس، وأجّلت إطلاق منتجاتها، حفاظاً على مواردها واستعداداً لفرصة أنسب.
هناك فارق جوهري بين «التريث» و«التردد». فالتريث قرار واعٍ يُتخذ بهدوء، أما التردد فهو حالة من «اللا قرار» قد تجر صاحبها إلى سلسلة من التحديات والعثرات. وبعبارة أخرى، التريث خيار استراتيجي، بينما التردد غالباً ما يكون خوفاً من القرار الحاسم أو غياباً للرؤية.