في واحدة من الدروس الإنسانية التي تقدمها حكومة دولة الإمارات بين الحين والآخر لكيفية العلاقة بين القيادة والشعب.. شكر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مجتمع دولة الإمارات من مواطنين ومقيمين على الدور الذي يقومون به خلال هذا العدوان الغاشم على وطنهم. جاء ذلك في الكلمة التي تحدث فيها سموه لوسائل الإعلام خلال الزيارة التي قام بها من أجل الاطمئنان على المصابين من المدنيين، الذين ينتمون لجنسيات مختلفة، إثر العدوان الإيراني على الدولة. وهو درس آخر لقيمة الإنسان في الفكر السياسي الإماراتي، حيث قال سموه: «قاموا بواجبهم بشكل يشرف ويفرح وما قصروا».

ويجسد ثناء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد التزام المواطنين والمقيمين بتعليمات الجهات المعنية، حيث يعبر هذا الالتزام بالتعليمات عن وعيهم بدورهم المجتمعي.

ويحسب لفريق إدارة الأزمة النجاح في رفع وعي المجتمع مع العلم أن تحقيق مثل هذا الالتزام أمر صعب في مجتمع آخر، من ناحيتين: الأولى أن الفوضى هي الأكثر رجاحة في الأزمات، والناحية الأخرى خاصة بمجتمع الإمارات، وهو استضافته لجاليات من ثقافات مختلفة. لكن رغم ذلك فإن مجتمع الإمارات متوحد ومتماسك ومتلاحم.

والوعي المجتمعي، في معناه البسيط، يكمن في إدراك أفراد المجتمع للقيمة النوعية لبعض التفاصيل أو المعلومات الصغيرة، ولكنها بالنسبة للعدو ذات قيمة كبيرة خاصة خلال الحروب والصراعات، حيث يتم استغلالها ضد أمن الدولة واستقرارها.

وتتفاعل الحكومة مع أفراد المجتمع خلال الأزمات من خلال العديد من الوسائل، أبرزها الإحاطة الإعلامية التي عقدت أخيراً لتوصيل الرسائل التي ينبغي الالتزام بها، ولعل أبرزها في هذه الأزمة كانت: عدم تعريض النفس البشرية لأي خطر من خلال الاحتماء والابتعاد عن المواقع المحتملة للخطر.

والنقطة الأخرى في تلك التعليمات، عدم تداول الشائعات التي هي سلاح خطير أثناء الأزمات، بل ينبغي عليهم (الشعب) استقاء المعلومة الدقيقة من الجهات الرسمية في الدولة.

أما النقطة الأكثر أهمية في تقييمنا هي عدم مساعدة العدو في الحصول على المعلومات أو البيانات من خلال التصوير أو تداول المقاطع أو الأخبار المصورة، التي تسيء لسمعة جهود الدولة أو تشوش تعامل الحكومة مع الأزمة، أو تثير قلق المجتمع.

وعلينا أن ندرك أن الوصول إلى هذه الدرجة من التعاون إنما هو جهد عملت به الحكومة ضمن نظرية استشراف المستقبل القائم على عدم ترك الأمور للصدفة.. وهذا الجهد الذي نجني ثماره الآن تم على مدى سنوات من خلال إيجاد علاقة تعاونية فيما يعرف بتعزيز مفهوم الأمن لدى الرأي العام، حيث يأخذ أحد أشكاله تحفيز تلك الأجهزة لأفراد المجتمع بالمبادرة بالتواصل من أجل التأكد من معلومة أو من حالة شك لبعض التصرفات غير الاعتيادية.

الحقيقة الثابتة، أن المجتمع الواعي هو حائط الصد الأول لأي خطر مهما بلغ حجمه وقوته، لأن الهدف الأول للعدو وهو في طريقه نحو تحقيق مسعاه الأخير في زعزعة استقرار أي دولة، هو اختراق المجتمع باعتباره الخاصرة اللينة في المجتمعات غير المتماسكة.. غير أن المجتمع الإماراتي أثبت عملياً أنه حائط صد قوي في مواجهة الأزمات.. فكما خرجت الإمارات في الأزمات السابقة أكثر قوة فإنه لا شك فإن هذه الأزمة ستمر كما مرت غيرها، وستخرج الإمارات أقوى.

بشكل عام، مسؤولية الأمن الوطني لم يعد قاصراً على المؤسسات العسكرية والأمنية فقط.. ولكن تفاعل المجتمع الإماراتي وإيجابية سلوكه أصبح عاملاً أساسياً في مواجهة التحديات، وما نراه اليوم من تعاون بين القيادة والشعب الإماراتي نتيجة لتراكم معرفي في إدارة الأزمات تكوّن بفضل الاستعدادات الدورية لمؤسسات الدولة، ونقل هذه المعرفة إلى أفراد المجتمع، وترسيخ الوعي الوطني فيه من خلال المبادرات استعداداً للتعامل مع الظروف الاستثنائية.