تطورات متسارعة قد تضع علامات استفهام حول شرعية نتائج انتخابات الكونغرس في نوفمبر المقبل، فالجمهوريون يعكفون على وضع قيود صارمة على التصويت تحت شعار القضاء على التزوير، لكن تلك القيود قد تؤدي لحرمان ملايين الأمريكيين من الإدلاء بأصواتهم.

كل استطلاعات الرأي تشير إلى أن فرص الديمقراطيين في الانتخابات القادمة أفضل بكثير من فرص حزب الرئيس، وهي ظاهرة لا جديد فيها، إذ عادة ما تكون انتخابات الكونغرس التي تعقد في منتصف مدة الرئيس، بمثابة استفتاء على أدائه السياسي في العامين الأولين لإدارته، فشعبية الرئيس تحدد فرص حزبه.

لكن ترامب، الذي لا يزال يصر، دون دليل، على أن انتخابات 2020 الرئاسية قد تم تزويرها لصالح سلفه بايدن، زعم مؤخراً أن انتخابات 2026 سيتم تزويرها ما لم يتدخل حزبه بالسيطرة على مجريات العملية الانتخابية.

ولم يكذّب الجمهوريون بالكونغرس خبراً، إذ يجري العمل اليوم على مشروعي قانون يقيدان عملية تسجيل الناخبين، بل والعملية الانتخابية برمتها. ورغم أن كليهما يواجه عراقيل بالكونغرس، فإنهما حال إقرارهما يقوضان الديمقراطية الأمريكية المقيدة أصلاً.

فبعد أن كان بإمكان المواطن الأمريكي أن يقوم بتسجيل نفسه في قوائم الناخبين في إدارات المرور حال تجديد رخصة القيادة، يشترط أحد المشروعين التسجيل في مواقع مخصصة لتسجيل الناخبين فقط، كما يشترط الفحص المستمر من قوائم الناخبين، وكلا الشرطين يفرض أعباء وتكلفة إضافية على الولايات التي عادة ما تعتمد فيها مكاتب الانتخابات على المتطوعين لمساعدة عدد قليل فقط من الموظفين بأجر، فضلاً عن أن الولايات هي التي تتحمل دستورياً التكاليف المالية للانتخابات.

ولعل أكثر بنود المشروعين خطورة هي تلك المتعلقة بضرورة إثبات التمتع بالجنسية الأمريكية، فحتى وقت قريب، كان إثبات الجنسية عند الاقتراع يتم عبر كتابة الناخب إقراراً يعرّض صاحبه للمساءلة القانونية حال ثبوت زيفه.

لكنّ الجمهوريين بدأوا منذ سنوات وفي ولاية بعد أخرى يضعون قيوداً على التصويت، من بينها تقديم وثيقة هوية تحمل صورة للناخب، وهي الولايات التي ازداد عددها حتى بلغ 36 ولاية. إلا أن القوانين التي تناقش اليوم في الكونغرس تضيف قيداً إضافياً.

بطاقة الهوية لم تعد كافية لإثبات الجنسية وفق الشروط الجديدة، إذ يتحتم إبراز شهادة الميلاد أو جواز السفر، وهو ما يجعل تصويت الملايين من الأمريكيين مسألة أقرب للمستحيل، وهو ما حدث بالفعل في ولاية كنساس التي حرم فيها أكثر من 30 ألف مواطن من التصويت حين بدأ العمل بتلك الشروط.

أما السبب فهو أن ملايين الأمريكيين لا يملكون تلك الوثائق، فهناك أكثر من نصف الأمريكيين أي 146 مليوناً لا يملكون جوازات السفر، وأكثر من 21 مليون أمريكي، أغلبهم من الأقليات والفقراء، لا يملكون جواز سفر أو شهادة ميلاد.

وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة، فإن استخراج أي الوثيقتين يتطلب مالاً ووقتاً ليسا متاحين بالنسبة لتلك الفئات تحديداً، فعلى سبيل المثال، يكلف استخراج جواز السفر حوالي 150 دولاراً قد لا يملكها العامل البسيط أو الباحث عن العمل، وقد لا يملكها طلاب الجامعات الذين سيحرمون وفق هذه القوانين من التصويت باستخدام بطاقة الهوية الجامعية. كما يتطلب استخراج هذه الوثائق التخلي عن يوم عمل وأجرته من أجل استخراجها.

أما شهادات الميلاد، ففضلاً عمن لا يملكونها من الأقل تعليماً ودخلاً من الأقليات، فإن اشتراطها يشكل عقبة أمام ملايين السيدات اللائي تزوجن وصرن يحملن أسماء أزواجهن بدلاً من أسماء عائلاتهن الموجود بشهادة الميلاد. والأمريكيات اللائي يجدن أنفسهن في ذلك الموقف يصل عددهن إلى 69 مليون أمريكية.

أكثر من ذلك، فإن نص القانون بصيغته الحالية يفرض على المواطن التواجد بنفسه في مراكز الاقتراع لتقديم إحدى وثيقتي إثبات الجنسية، وهو ما يعني عملياً إلغاء التصويت عبر البريد، وإلغاء الناخبين الجدد عبر الإنترنت، كما أنه يلغي عملياً المبادرات الاجتماعية التي كانت تتولاها منظمات المجتمع المدني لتسجيل الناخبين في الكنائس والجامعات ومراكز التسوق الكبرى. وإذا كانت أمريكا، من بين كل الديمقراطيات الغربية، هي الأقل من حيث نسبة التسجيل لإجمالي المؤهلين للتصويت، بل الأقل من حيث نسبة التصويت، فإن تلك القوانين تفاقم المشكلة لا العكس.