إن المحافظة على أمن الأوطان وسلامتها من أهم المقاصد وأسمى الغايات، ومن الضرورات التي لا غنى للمجتمعات عنها، فإن استقرار الدول وسلامتها ركيزة أساسية لكل بناء ونماء، ولكل رفعة ومنعة، ومن أهم مقومات ذلك احترام سيادة الدول وحدودها.

وعدم انتهاك أرضها أو بحرها أو سمائها، تحت أي ذريعة كانت، فإن ذلك كله عدوان أثيم، وجرم شنيع، يستدعي من العقلاء الاستنكار والإدانة، وأصحاب الألسنة والأقلام أولى بذلك، لكي يكونوا منصفين، ومع الحق واقفين.

وفي مثل هذه الظروف العسيرة التي يتمايز فيها العقلاء والحكماء عن المكبلين بأغلال التحزب والأيديولوجيات الفاسدة، نجد بعض الفئات التي ترفع شعار هيئات عالمية زائفة تصدر بيانات فتنة، تدعي أنها تناصر قضايا الأمة، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، فاصطفافاتهم السياسية قائمة على مصالحهم وأجنداتهم.

وفي الوقت الذي كان على هؤلاء أن يسجلوا لهم موقفاً مندِّداً بالاعتداءات الإيرانية السافرة على دول المنطقة، فإذا بهم يقفون إلى جانب المعتدي، يُلمعون صورته ويدافعون عنه، لأن مشروعهم واحد، مشروع ظلامي اجتمعوا فيه جميعاً تحت سقف ما يسمى الإسلام السياسي، والإسلام من ذلك كله براء.

فمالت كفتهم عن المسلك الصحيح، فكانوا ببياناتهم دعاة فتنة، يملؤون الأرض صراخاً دفاعاً عن المعتدي، ولا ينطلقون بكلمة واحدة ضد اعتداءاتهم الإجرامية على دول بأسرها، وإن نطقوا فإنما ينطقون على استحياء، وقد فضحهم تخاذلهم، وأسقط أقنعتهم.

إن هؤلاء دائماً مخذولون، فهم لا يقرؤون الواقع قراءة صحيحة، ولا ينظرون إلى مآلات الأمور بعين الحكمة والبصيرة، ولذلك فهم يخطئون حساباتهم، ويقفون في الجانب الخاطئ انتصاراً لأجنداتهم، ويرفعون شعار الحمية الدينية في غير موضعها الصحيح، وكم غروا الشباب بشعاراتهم البراقة التي تخفي وراءها السم الزعاف، فاستدرجوهم إلى فتن حارقة.

وزجوا بهم في أتون صراعات عبثية، لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مستغلين عواطفهم الجياشة لخدمة مشاريع حزبية ضيقة، وتطلعات سياسية مشبوهة، تضرب استقرار الأوطان، وتمزق نسيج المجتمعات، وتستبدل لغة البناء والنماء بلغة الهدم والخراب، وتاريخهم الأسود خير شاهد على ذلك.

إن هذا التوظيف الحزبي للدين والالتفاف الماكر على الحقائق يعكس ازدواجية معايير مفضوحة في خطاب هذه الفئات، فهم يتباكون على السيادة حين تخدم مصالح تنظيماتهم، ويبررون استباحتها حين يكون المعتدي من صلب مشروعهم الأيديولوجي، حتى غدت بياناتهم منصات لتزييف الوعي وتزوير الواقع.

وإذا كانوا يزعمون أنهم حماة الأمة فلماذا لا يصدرون بيانات ينددون فيها بالاعتداءات الإيرانية الشائنة على دول عربية إسلامية؟ ولماذا يسعون بجهل مركب إلى تجريد الدول من حقها السيادي والأصيل في الدفاع عن حياضها وتأمين حدودها وعقد تحالفاتها الدفاعية المشروعة لحماية أمنها واستقرارها؟

إن هذا المسلك المتناقض الذي يسلكه هؤلاء يكشف بجلاء أن بوصلتهم لا تتوجه نحو الحق والعدل، بل نحو الانتصار لمشاريعهم الحركية التي لا تعترف بحرمة الأوطان ولا بقدسية الدماء، فهم يغضون الطرف عن الصواريخ التي تستهدف العواصم.

والميليشيات التي تعبث بالمقدرات، والتدخلات السافرة التي تخرق السيادة صباح مساء، وإذا كنا نتحدث عن الغيرة فإن الغيرة الحقيقية على قضايا الأمة لا تكون بالوقوف مع المعتدي وتبرير جرائمه، ولا بالصمت المخزي عن انتهاك سيادة الدول العربية، بل تكون بدعم ركائز الاستقرار، وتقوية شوكة الأوطان، لتكون حصوناً منيعة في وجه كل عدوان.

إن التاريخ لن يرحم هؤلاء الأدعياء المتاجرين بقضايا الأمة، فقد سقطوا هنا كما سقطوا في كل موقف، فإن من يعجز عن إدانة الصواريخ التي تستهدف الآمنين، ومن يبرر للميليشيات عبثها بالمقدرات، فقد سقطت عنه صفة النزاهة، ولم يعد لبياناته في ميزان العقلاء وزن ولا قيمة، وسيبقى الوطن بفضل الله ثم بحكمة قيادته وتلاحم شعبه عصياً على كيدهم.

منيعاً أمام شرورهم. اللهم احفظ بلادنا من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين، وادفع عنه شر المعتدين، وأدم علينا نعمة الأمن والاستقرار، واجعل كيد كل من أراد بنا سوءاً في نحره يا رب العالمين، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.