منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى برز سؤال منطقي يتكرر في النقاش العام، لماذا تتحول دول الخليج إلى ساحة للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، رغم أنها ليست طرفاً في الصراع؟

جغرافياً تحيط بإيران سبع دول، تشترك معها بحدود برية في الشرق والشمال والجنوب. بعض تلك الدول يحتضن قواعد عسكرية أمريكية، وبعضها يرتبط باتفاقات دفاعية وأمنية مع الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن إيران لا توجه ضرباتها إلى تلك الدول، بل تتجه الصواريخ أو المسيرات نحو مدن ومرافق في دول الخليج العربي حتى أكثر مما يوجه إلى إسرائيل!

التفسير الرسمي الإيراني يكرر أن دول الخليج تستهدف لأنها تحتضن قواعد عسكرية أمريكية، غير أن هذا التفسير لا يصمد كثيراً أمام الفحص العقلاني، فكل هذه الدول أعلنت بوضوح أكثر من مرة، وفي مناسبات متعددة، أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها للهجوم على إيران، كما أن عدداً من الأهداف التي جرى استهدافها في الأسابيع الأخيرة كانت مرافق مدنية بحتة، مطارات مدنية، مباني تجارية، فنادق، أو منشآت اقتصادية لا علاقة لها بالعمل العسكري.

إذاً، يصبح من المشروع البحث عن تفسير آخر يتجاوز السردية العسكرية الإيرانية المباشرة. إحدى النظريات المطروحة تقول، إن إيران تحاول الضغط على دول الخليج كي تضغط بدورها على الولايات المتحدة لوقف العمليات العسكرية، غير أن هذه الفرضية أيضاً تبدو ضعيفة فالولايات المتحدة كونها قوة عظمى لا تحتاج إلى إقناع من دول أخرى حتى تدخل حرباً أو تنسحب منها، حتى لو كانت تلك الدول حليفة لها.

التفسير الأقرب إلى المنطق ربما يكمن في عامل آخر أقل حديثاً في الخطاب السياسي، وهو عامل النموذج، فدول الخليج خلال العقود الأخيرة نجحت في بناء نموذج تنموي لافت في المنطقة. مدن حديثة، اقتصاد متنوع نسبياً، بنية تحتية متقدمة، ومستوى معيشة مرتفع، عملة قوية، علاقات دولية ناجحة وثابتة، مقارنة بكثير من دول الإقليم، وخصوصاً إيران.

هذا النموذج لا يقتصر على الأرقام الاقتصادية، بل يمتد إلى صورة ذهنية لدى المواطن العادي في المنطقة، بما في ذلك المواطن الإيراني الذي ينظر إلى هذا النموذج ويقارن، فمن ينظر إلى مدن مثل دبي أو الدوحة أو الرياض أو المنامة أو الكويت يرى مساراً تنموياً مختلفاً عما تعيشه إيران، التي أنهكتها العقوبات والإنفاق العسكري والتدخلات الإقليمية.

الدليل على إدراك النخبة الإيرانية لهذه المفارقة يمكن العثور عليه في كتابات وتصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين أنفسهم، فقد تساءل وزير الخارجية الإيراني السابق، محمد جواد ظريف، في كتابة (صمود الدبلوماسية) لماذا تنفق إيران مواردها في الخارج بينما تقوم دول الخليج ببناء مشاريع تنموية هائلة داخل بلدانها؟ إذا كانت النخبة الإيرانية تدرك هذا التفاوت، فمن الطبيعي أن يدركه المجتمع الإيراني أيضاً، وهنا يتحول النموذج الخليجي إلى عنصر ضغط معنوي على النظام الإيراني، لأنه يطرح مقارنة صامتة بين مسارين، مسار التنمية والاستثمار في الداخل، ومسار الصراع والتوسع الإقليمي.

من هذا المنظور قد يصبح استهداف بعض المرافق المدنية أو الاقتصادية في الخليج جزءاً من محاولة لإضعاف هذا النموذج أو على الأقل تشويش صورته، فإذا تعذر إيقاف النموذج عن النمو، فقد يكون التفكير هو محاولة إضعافه من الخارج عبر إدخال المنطقة في أجواء عدم استقرار دائم بل وحرب صريحة، لكن التجربة حتى الآن تشير إلى أن الرد الأكثر فعالية على هذا النوع من التحديات ليس بالانجرار إلى الفوضى، بل بالعكس تماماً الاستمرار في البناء فكلما تعمق التعاون الخليجي، وتعزز التكامل الاقتصادي والأمني بين دوله، أصبح النموذج أكثر صلابة في مواجهة محاولات التشويش أو الإضعاف.

إن تحويل الخليج إلى ساحة حرب لا يخدم استقرار المنطقة، لكنه يكشف في الوقت نفسه حقيقة مهمة أن النجاح التنموي نفسه يمكن أن يصبح هدفاً للصراع، ولذلك فإن أفضل رد استراتيجي هو الحفاظ على هذا النجاح وتطويره، لأن قوة النموذج قد تكون في النهاية أقوى من قوة الصواريخ.