يقول الشاعر الإماراتي النبطي المايدي بن ظاهر:

لي ما بنى بيت التقى قبل الشقا

وإلا على الشطات ما واحا لها

النفس طيرٍ والقوافي شبكها

والصيد من جِزْل القوافي نالها

لقد استوقفتني قبل أيام (واستوقف الجميع أيضاً) تغريدة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، حين استحضر هذا البيت العميق: لي ما بنى بيت التقى قبل الشقا، وأتبعه بوسم عز الإمارات، في تلك اللحظة شعرت أن بيت الشعر القديم خرج من دفاتر الموروث إلى قلب الحرب الطاحنة، التي تعصف بالشرق الأوسط، وتتركز فيها اليد الغادرة على الإمارات الأبية العصية، فالحكمة التي صاغها المايدي بن ظاهر (توفي حوالي عام 1623 م) بدت كأنها قراءة مبكرة لمسار وطن كامل، فالعز الذي تنعم به الإمارات اليوم وقوة دفاعها وتحصينها هي ثمرة بناء طويل بدأ من القيم قبل القوة، ومن التقوى قبل المواجهة.

هذه الأرض الطاهرة عرفت منذ زمن بعيد أن القوة تبدأ من الإنسان، فالمغفور له الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، غرس هذا المعنى في وجدان الدولة منذ اللحظة الأولى لقيام الاتحاد المبارك، فقد آمن الشيخ زايد بأن بناء الإنسان هو القلعة الأولى، وأن المجتمع الذي تتماسك قيمه يقف بثبات أمام العواصف، لذلك نشأت الإمارات وهي تحمل في بنيانها الداخلي ما يمكن تسميته بيت التقى، بيت يرتكز على الإيمان بالأرض والقيادة والإنسان.

القوة فلسفياً في الموروث الإماراتي هي منظومة قيمية كاملة صدق، وفاء، عدل، نصرة للمظلوم، وصيانة للجار والمستجير، وهذه المنظومة صنعت شخصية المجتمع الإماراتي عبر القرون، وصاغت ما يمكن وصفه بقواعد اشتباك أخلاقية راسخة في الوعي الشعبي قبل أن تعرفها القوانين الحديثة.

هذه القيم عبرت من صفحات الشعر إلى سلوك المجتمع، أعراف الصحراء كرست احترام الجار، وصون المستجير، وحماية الأبرياء في زمن النزاعات، وهذه هي الأعراف الإماراتية التي ترسخت جذوراً إنسانية عميقة وأسست لقواعد الاشتباك في الحرب، فلم نجد مثلاً أن الإمارات ردت الهجوم بهجوم عنيف عشوائي متخبط، بل بدأت بالدفاع المحكم، الذي يحمي الأرض والناس والمنجزات، فسجل لنا التاريخ أننا انتصرنا بالأخلاق والدفاع وبهيبة الإمارات التي بنيت عالمياً على السمعة الطيبة والمنجز الحقيقي، وهذه الهيبة هي التجسيد لمبدأ: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، حيث يسبق الحق أصحابه، وتسبق السمعة السيوف، فأدرك العالم أن القوة الإماراتية ثبات الواثق الذي يملك القدرة ويحكمها بالعقل، وإننا حين نكظم الغيظ ونرد بالحكمة، نفعل ذلك لأننا آمنا بأن القوة الحقيقية هي التي تحمي ولا تبغي، تعمر ولا تهدم، وتنتصر في ميادين القيم قبل أن تنتصر في ساحات الوغى.

وعندما يستشهد سمو الشيخ عبدالله بن زايد ببيت المايدي بن ظاهر فإن الرسالة تتجاوز ما يمكن أن يفهم بالأوضاع العادية، فهذا الاستشهاد في زمن الحرب يربط حاضرنا بجذوره، ويذكّر الجميع بأن عز الإمارات امتداد لبناء طويل، وبأنها دولة قامت على رؤية واضحة ترى في القيم أساساً للاستقرار والقوة، لذلك نرى الإمارات اليوم تجمع بين الحزم في حماية سيادتها بلا هوادة، وحماية نسيج ووحدة مجتمعها داخلياً، والحكمة والدبلوماسية في إدارة علاقاتها الدولية.

بالطبع وكما أكدنا الأسبوع الماضي فإن قلب هذا البناء القيمي هو في الأصل كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله: لا تشلون هم، وهذه العبارة التي دخلت التاريخ البشري من أوسع أبوابه تحمل في طياتها ثقة عميقة بين القيادة والشعب، القائد الذي بنى دولته على الصدق يعرف معدن شعبه، والشعب الذي تربى على الوفاء يعرف أن قيادته تسير بثبات، فهذه العلاقة الوجدانية شكلت درعاً معنوياً يحيط بالوطن في أوقات التحديات.

موروث الإمارات يقدم أيضاً ما يمكن تسميته الردع القيمي، فالمجتمع الذي يتمسك بمبادئه يمتلك قوة معنوية، تعزز مكانته في الداخل والخارج، ولذلك فإن الإمارات عبر تاريخها الحديث قدمت نموذجاً يجمع بين البناء الاقتصادي والإنساني، وبين الدفاع عن السيادة والعمل من أجل الاستقرار الإقليمي. المستقبل أيضاً يقوم على هذا الأساس.

الأجيال الجديدة تحمل مسؤولية تطوير بيت التقى الذي بناه الأجداد. عالم اليوم يشهد تحولات سريعة في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا غير أن القيم تبقى البوصلة التي توجه المسار، فالإمارات تدخل مراحلها المقبلة، وهي تستند إلى إرث زايد وإلى رؤية قيادية حكيمة منيعة تجعل الإنسان محور التنمية.

هكذا يبقى الموروث الإماراتي مدرسة مفتوحة تعلم الأجيال أن القوة الحقيقية تبدأ من الأخلاق، وأن البيت الذي تُشيَّد جدرانه على التقوى يقف شامخاً أمام كل ريح، راسخاً في الأرض، ممتداً في المستقبل بثقة وطمأنينة.