مما لا جدال فيه أن الرحالة الجغرافيين، بغض النظر عن جنسياتهم وأهداف رحلاتهم في منطقة الخليج والجزيرة العربية قديماً، وتباين آرائهم وتقييماتهم لما شاهدوه، أسهموا بقدر كبير في إعطائنا صورة لأنماط العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية السائدة في المنطقة قديماً.

فلولا ما وضعوه من مؤلفات وما سطروه من مخطوطات لاستحال علينا تشكيل صورة واضحة عن المدن والبنادر والتجمعات السكانية، وعلاقة القبائل بعضها ببعض، وجوانب الاهتمامات والصراعات، وأسباب الحروب والنزاعات، ومصادر الدخل والإنفاق، وطقوس الناس وعاداتهم ولهجاتهم ومعتقداتهم الدينية، وغير ذلك.

والمؤكد أيضاً أن أدب الرحلات، وتحديداً تحقيق الرحلات الجغرافية للمستشرقين الأجانب ومن في حكمهم، لم يثر حماس الباحثين العرب كثيراً حتى وقت قريب، ربما لقناعة مرضية مفادها أن كل ما يكتبه الأجانب عن منطقتنا العربية فيه تشويه متعمد أو أنه مجرد تقارير لها غايات أخرى.

ولكن النتيجة تقاس بخواتيمها، وخواتيمها هنا هي مؤلفات وتقارير تاريخية وجغرافية وانثروبولوجية على قدر كبير من الأهمية عن واقع منطقتنا في الماضي.

في هذا السياق، قام الدكتور محمد حرب والدكتورة تسنيم محمد حرب بجهد مشهود في تحقيق الرحلات العثمانية ما بين القرنين 16 و20، وإصدارها في مجلدين سنة 2013، علماً بأن هذين المجلدين ترجما عن اللغة التركية المكتوبة بالحرف العربي العثماني، فاستحق المؤلفان بامتياز جائزة ابن بطوطة ــ فرع الرحلات الكلاسيكية.

استعرض لنا الكاتب السوري مفيد نجم في صحيفة العرب اللندنية (25/8/2013) شيئاً من هذين المجلدين فقال إن الكتاب الأول يضم تفاصيل رحلة قام بها في منتصف القرن 16 الميلادي القبطان سيدي علي، أحد أشهر رجال البحرية والأدب في عهد السلطان سليمان القانوني، بعد أن فقد الرجل جزءاً كبيراً من الأسطول العثماني أثناء معركته في خليج البصرة مع الأسطول البرتغالي.

وعندما عاد من تلك المغامرة أراد أن يدوّن تلك الرحلة الطويلة، التي كاد أن يفقد فيها ورفاقه حياتهم أكثر من مرة، مسجلاً فيها ما شاهده وعرفه في أقاصي الهند ومجاهل آسيا الوسطى، ومنْ التقاهم وتعرف عليهم من شخصيات سياسية ومن طوائف دينية مختلفة، ناهيك عما تعرف عليه من طقوس غريبة وحياة اقتصادية واجتماعية وسياسية، أو ما سمعه من أخبار وحكايات حتى باتت هذه الرحلة بمثابة وثيقة مهمة عن تلك البلدان في تلك الحقبة.

يحتوي المجلد الثاني على خمسة مخطوطات لخمس رحلات قام بها رحالة عثمانيون إلى الجزيرة العربية في فترات مختلفة ما بين القرنين 16 و20.

وبطبيعة الحال لا تختلف هذه الرحلات الخمس عن بعضها من ناحية الأسلوب والسرد، لكنها تختلف من زاوية الهدف منها والذي يحتم الخوض في جوانب معينة ذات اهتمام عند مرجعية صاحب الرحلة. فالرحلة الأولى مثلاً كان هدفها إعداد تقرير وافٍ للسلطان العثماني عن منطقة الحجاز ذات الأهمية الدينية الخاصة.

وجملة القول إنه كان هناك دوماً بعض التباين في القيمة الأدبية لهذه الرحلات بحسب أهدافها ومراميها وثقافة قادتها.

ولأن ما يهمنا هنا هو ما كتب في المجلدين عن أحوال منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية في الزمن الأقرب إلى حاضرنا، فإن تركيزنا سيكون على مضمون المخطوطة الثانية الموضوعة عام 1909 تحت عنوان «رحلة المفتش العثماني علي سعاد في الخليج والجزيرة العربية».

وهي مجرد مخطوطة ضمن مخطوطات ووثائق وتقارير ومطبوعات كثيرة ومتنوعة يزدحم بها الأرشيف العثماني الخاص بتناول جانب أو أكثر من جوانب الحياة في الجزيرة العربية خلال حكم العثمانيين الذي استمر لنحو أربعة قرون (انظر د. سهيل صابان ــ صحيفة الجزيرة السعودية ــ 2/7/2000).

لم يـُكتب الكثير عن الرحالة علي سعاد، على الرغم من أسلوبه الأدبي المتميز في الكتابة وقيامه برحلاته الجغرافية الشهيرة ما بين عامي 1909 و1912.

لكني وجدت بعد البحث في بعض المدونات والمقالات المكتوبة باللغة الانجليزية ما يفيد بأنه كان شاعراً وفقيهاً دستورياً، وإنه قام برحلتين إلى الجزيرة العربية: كانت أولاهما إلى نجد وقد كتب عنها 36 مقالاً متسلسلاً في صحيفة «تانين» (النهضة باللغة التركية) التي أطلقها الشاعر التركي المجدد والداعم لجمعية الاتحاد والترقي «توفيق فكرت» سنة 1908 واستمرت حتى 1947.

أما الرحلة الثانية فكانت إلى الأحساء والبحرين، وقد كتب عنها أيضاً في صحيفة «تانين». ومن المعلومات الأخرى عنه أنه عين في عام 1909 متصرفاً لولاية نجد من قبل والي البصرة سليمان بك نظيف لكن يبدو أن علي سعاد فضل أن يذهب إلى نجد كمستكشف بدلاً من متصرف.

وقد لوحظ أنه فضل القيام برحلته الثانية عن طريق البحر، فاستقل سفينة نقلته من إسطنبول إلى بيروت التي وصفها بـ«أرض القديسين»، ومن بيروت سافر إلى حلب فبغداد فالبصرة براً، ومن البصرة سافر بحراً إلى ميناء العقير بالأحساء ومنها إلى البحرين.

وهكذا وصل علي سعاد إلى سنجق الأحساء فبدأ حديثه عنها بعرض بعض الأوضاع المتناقضة فيها، مثل أنها مدينة قديمة محاطة بالصحراء، ومهملة من قبل الدولة العثمانية، لكنها في الوقت نفسه تنبت بها الأزهار وتجري فيها المياه العذبة. كما تطرق إلى خصال الصدق والإخلاص والمثابرة في العمل التي لاحظها لدى الأحسائيين.

أما البحرين فقد وصلها في عام 1327 للهجرة الموافق لعام 1909 ميلادي، أي في عهد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة (حكم البحرين من عام 1869 وحتى وفاته سنة 1932)، وحل أول ما وصل في قرية عالي، وكان الوقت عصراً فأدى مع مرافقيه صلاة العصر، وأتبعوا صلاتهم بالاستراحة قليلاً من عناء السفر.

وصف علي سعاد البحرين في مخطوطته بالبلاد ذات الطبيعة الجميلة، والمناخ اللطيف والأشجار المزروعة على جانبي الطرق، والوجوه الدالة على عراقة الماضي، والقرى المقامة في أحضان البساتين الخضراء بما لا يزيد على 25 منزلاً في القرية الواحدة.

وتحدث عن أن حلوله في البحرين تزامن مع وجود عالم حفريات انجليزي كان يجري أبحاثه الميدانية آنذاك في إحدى المناطق بمساعدة سجناء محليين سخرهم له القنصل البريطاني، واصفاً تلك المنطقة بالأثرية التي يعود تاريخها إلى أربعة آلاف سنة مضت.

ومما لاحظه وكتب عنه أن تلك المنطقة كانت عبارة عن مقابر وأن جثث الموتى كانت موضوعة بالطول في قبور ضيقة داخل مغارات.

ويبدو أن هذه المناظر خلقت لدى الرحالة العثماني فضولاً فأراد معرفة معلومات إضافية عنها من العالم الإنجليزي، لكنه لم يهتد إلى مكانه، فكتب زاعماً أن جزيرة البحرين كانت مكاناً مقدساً عند قدماء المصريين، وافترض أنها كانت مقراً لأحد الكهنة فكانت تزار لهذا السبب، بينما الصحيح هو أنها كانت كذلك عند السومريين أصحاب حضارة ما بين النهرين، وليس عند المصريين أصحاب الحضارة الفرعونية.

انطلق علي سعاد نحو المنامة، التي كان قد رآها من بعيد ووصفها قبل أن يزورها بالمدينة العتيقة، التي لا يرى منها سوى تلال وأنقاض مدينة قديمة.

وخلال الطريق استرعى انتباهه وجود جدول من المياه الجارية، فاستغرب واستفسر فقيل له إنه ممر مائي يصل البحر بالمزارع لريها، وأن المزارعين لا يقومون بري جذور الأشجار مباشرة كي لا يتضرر التمر، وإنما يقومون بتمرير المياه من الأطراف.

ومما صادف الرجل أيضاً وهو في طريقه إلى المنامة منابع للمياه شبيهة بتلك التي رآها في الأحساء، فوصف مياهها بالمالحة والثقيلة التي لا تصلح في عمل الشاي والقهوة.

وهكذا لم يصل الرحالة العثماني إلى أطراف المنامة وإلا شمس النهار إلى أفول، فوجد شوارعها مغمورة بالمياه بسبب هطول أمطار غزيرة على المدينة قبل يوم واحد من مقدمه.

وحينما استفسر عما إذا كان الأمر يتكرر كل عام، قيل له إن المنامة لم تشهد عاصفة مطرية بتلك الغزارة والقوة منذ أربعين عاماً.

اتجه علي سعاد إلى حيث كان مقرراً أن يـُستضاف وهو مقر عائلة القصيبي المعروفة بثرائها وامتلاكها المتاجر والعقارات وبساتين النخيل في البحرين والأحساء، حيث استقبل بحفاوة وتكريم وأقيم على شرفه مأدبة عشاء فاخرة.

وصف الضيف العشاء الفاخر الذي أعد له ولمرافقيه فقال إنه احتوى على اللحم والأرز في صينية كبيرة حملها شخصان، علاوة على أربعين أو خمسين من الأطباق الصغيرة المحتوية على مأكولات متنوعة مثل: محشي الكوسة، والبطاطس، والدجاج المشوي، والمخللات، والمهلبية، واللقمة (لعله يقصد اللقيمات)، والجريش، والطماطم، والموز، وغيرها.

وبعد أن فرغوا من تناول العشاء، قدمت لهم القهوة ثم الشاي بالحليب، قبل أن يخلدوا إلى النوم.

وفي صباح اليوم التالي، وكان قد مرت ثمانية أيام على خروجهم من الأحساء، تم تقديم وجبة الفطور لهم، فكتب صاحبنا إنها احتوت على العسل والبيض والخبز الأبيض النظيف الذي كان مشتاقاً له كونه لم يره ولم يتذوقه منذ خروجه من البصرة إلى الأحساء قبل سبعة أشهر من ذلك التاريخ.

من الأماكن الذي زارها الرجل ومرافقوه في المنامة منطقة الفرضة أو الميناء فوجدها قد كبرت واتسعت تجاه البحر مقارنة بما شاهده في زيارة سابقة، ومما سمعه من المسؤولين عن الميناء أنهم سوف يبنون فيه مستودعات ضخمة لتخزين البضائع الواردة وحفظها من التلف بموجب أمر أصدره الحاكم حينذاك الشيخ عيسى بن علي.

وهنا نراه يكتب معاتباً سلطات بلاده العثمانية لتقصيرها في إرسال سفن التجارة والملاحة البحرية إلى منطقة الخليج العربي، مذكراً بأنه رأى في البحرين سفينة أجنبية تصل إلى مينائها وعلى ظهرها 114 ألف كيس من البضائع بوزن إجمالي يفوق عشرة آلاف طن، وأن هذه البضائع، بعد تنزيلها في المنامة يـُصار إلى إعادة تصديرها بالمراكب الشراعية وتسويقها في موانئ القطيف والعقير وقطر.

بعد زيارته القصيرة إلى البحرين غادرها بحراً إلى ميناء بوشهر الإيراني مستقلاً سفينة بريد إنجليزية، فوصل وجهته في اليوم التالي ومن بوشهر سافر إلى البصرة في طريق عودته إلى بلاده.

ونتوقف هنا لننظر في محصلة ونتائج زيارته هذه والتي تشير إلى أن الهدف منها كان تقييم الأوضاع في المنطقة وتقديم تقرير إلى مرجعيته في إسطنبول عن جوانب النقص في إدارة المنطقة من قبل الدولة العثمانية، وكيفية معالجتها.

فعلى سبيل المثال وجه انتقاداً لاذعاً إلى الموظفين العثمانيين القائمين على شؤون المنطقة واصفاً إياهم بالكسل والجمود العقلي والفكري، وتحبيذهم الراحة وإلقاء الخطب الحماسية والبلاغية على حساب العمل والنزول إلى أرض الواقع لمعايشة الأوضاع الحقيقية.

كما شدد على أهمية المنطقة من النواحي الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، حاثاً أصحاب القرار في إسطنبول من مثقفين وإداريين وساسة على ترك مكاتبهم والسفر إلى المنطقة للوقوف شخصياً على ما يجري فيها من متغيرات سياسية واقتصادية وتجارية.

أما اقتراحاته بشأن معالجة أوجه القصور هذه فاشتملت على ضرورة توفير الأمن وسبل التجارة ووسائل المواصلات والنقل، ناصحاً بتأسيس شركة ملاحة عثمانية تعمل بين البصرة وكلكتا وبومبي، وتوفير بعض السفن الصغيرة لتأمين البريد بشكل منتظم، وترحيل الموظفين والعساكر إلى المنطقة في وقت وجيز دون مشقة كبيرة، مما سيؤدي ــ حسب قوله ــ إلى رفعة شأن الدولة العثمانية في أنظار الأهالي، ويقطع الطريق على القوى الأجنبية كالإنجليز والألمان لجهة الاستفادة تجارياً من المنطقة.