في لحظة إقليمية مضطربة، جاء مسلسل رأس الأفعى كاشفاً لطبقات ظلت لعقود تتحرك في الظل، عالم سري متكامل، له هندسته الفكرية، وسلاسله التربوية، وامتداداته التي عبرت الحدود، المسلسل يقترب من محمود عزت أخطر قيادات جماعة «الإخوان» الإرهابية، الرجل الثاني في التنظيم، القطبي الذي سجن مع سيد قطب في عملية 1965، ثم خرج حاملاً إرثاً ثقيلاً من الأفكار والتنظيم والخطة.
العمل لا يكتفي بتوثيق السيرة، إنه يعود إلى البدايات، إلى طالب الطب الشاب الذي انجذب مبكراً إلى عالم سيد قطب السري، إلى حلقات التربية المغلقة، إلى المفاهيم التي صاغت وعياً حاداً للعالم، قسمته إلى جاهلية وطليعة، وإلى دولة ينبغي أن تقوم، ولو على أنقاض المجتمع، هنا ينجح المسلسل في رسم ملامح التحول، من مقاعد الجامعة إلى دهاليز التنظيم، من سماع الدروس إلى حمل التصورات الكبرى عن التمكين والصدام.
ثم يمضي السرد إلى لحظة أخرى، حين يصبح ذلك الطالب مرشداً بالوكالة، بعد أن تداخلت السجون بالمنافي، والهروب بالتخطيط، فيستعيد المسلسل خيوط الماضي المبكر، ويربطها بوقائع لاحقة، هروب وتفجيرات ومخططات تدمير أعيد إحياؤها أثناء الفرار، ومسؤوليات عن عمليات كبرى ظلت لسنوات محاطة بالغموض، الوثائقي هنا يعتمد على أحداث حقيقية، وشهادات، ووثائق، ليقدم سردية لا تحتمل البراءة ولا تقبل التبسيط.
غير أن الأثر الأعمق للعمل يتجاوز الحكاية الفردية، فهو يثير شجون النخبة السياسية في المنطقة العربية، ويضع سؤالاً وجودياً أمام الوعي الجمعي، ماذا لو لم تنشأ هذه التنظيمات في قلب المنطقة، ماذا لو لم تتمكن من التغلغل في المجتمعات، وتعويق المؤسسات، وإرباك الدولة الوطنية، وإدخال الإقليم في أتون حروب متلاحقة، وانقسامات اجتماعية، وثورات ملونة اختلط فيها المحلي بالعابر للحدود.
السؤال يمتد أبعد من السياسة إلى التاريخ الحضاري، ماذا لو لم تكن هذه البنية التنظيمية قد فرضت منطقها الصدامي على المجال العام، هل كانت المنطقة ستلحق بعصر الحداثة كما فعلت اليابان، أو كوريا الجنوبية، أو تنخرط في مسارات تصنيع عميقة على غرار الصين، أو تسير في طريق الدولة المؤسسية كما في دول الغرب، هل كان مسار التنمية سيأخذ منحنى آخر، أكثر استقراراً، وأقل كلفة إنسانية.
«رأس الأفعى» لا يمنح إجابات جاهزة، إنه يفتح الباب الكبير للأسئلة، هل يمكن أن يأتي يوم تتخلص فيه المنطقة من هذه الآفة الفكرية والتنظيمية، هل الأجواء الحالية، من انقسام دول، وتآكل مؤسسات، وتصاعد موجات عنف، هي نتاج مباشر لعقود من سيطرة هذه التنظيمات أو تغلغلها في مفاصل الدولة والمجتمع، أم أن المشهد أعقد، تتداخل فيه أخطاء الداخل مع رهانات الخارج.
المسلسل يضع المشاهد أمام مرآة قاسية، فيها تاريخ مسكوت عنه، وفيها مسارات كان يمكن أن تسلك اتجاها آخر، وبين الكشف والمساءلة تتولد مساحة جديدة للتفكير، ليس في الماضي وحده، إنما في المستقبل أيضاً، مستقبل يتوقف على قدرة المجتمعات على تفكيك البنية التي أنتجت رأس الأفعى.
وعلى إعادة بناء الدولة والفكرة، معاً، على أسس حديثة، إنسانية، ومؤسسية حتى لا تظل الدول الوطنية والشعوب التي سعت إلى الانعتاق والاستقلال رهينة لهذه التنظيمات عابرة الحدود والأوطان،المنغلقة على أفكار وفلسفات تتعايش وتتكيف مع الفوضى والحروب والقلاقل، وتستدعى القوى الكبرى للتدخل في دولنا الوطنية.
إن الإقليم العربي وجد نفسه متشابكاً مع هذه التنظيمات التي حاولت عرقلة مساره، وتسببت في كثير من الحروب الأهلية، وزعزعت الاستقرار والتخلف عن استلهام عصر الحداثة والتنمية، ولم توفر دولة غنية أو فقيرة في هذا المحيط الاستراتيجي المهم.
إن «رأس الأفعى» ليس مجرد مسلسل، بل هو وثيقة دامغة عن العوالم السرية التي تغتال الأوطان في صمت أحياناً وفي صخب في معظم الأحيان، وتعمل كساتر ضبابي على قلوب وعقول الشعوب العربية.