حين يكون المستقبل مشروعاً يومياً لا حُلماً مؤجلاً، تصبح القيادة مسؤولية تتجدد مع كل إنجاز، ومع كل أثر يُترك في حياة الناس. في هذا السياق، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله: «كل إنجاز تحققه يجعلك قائداً أفضل، وكل حياة تغيرها تجعلك قائداً أفضل، وكل مهارة تتعلمها تجعلك قائداً أفضل... تستطيع كل يوم أن تطور القائد الذي في داخلك». هذه الكلمات ليست مجرد حكمة مُلهِمة، بل تُعد فلسفة عمل تتبنّاها دولة جعلت من صناعة القادة مساراً استراتيجياً لبناء الحاضر بكفاءة، وصناعة الغد بثقة واقتدار.

من هنا وُلد برنامج «قيادات حكومات المستقبل»؛ مبادرة أُعلن عنها في فبراير 2023 على هامش القمة العالمية للحكومات، لتتحول إلى منصة عربية رائدة تُصاغ فيها ملامح الجيل القيادي القادم. وفي نسخة 2026 من القمة في دبي، شهد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تخريج الدفعة الثالثة من البرنامج، في مشهدٍ يعكس التزاماً إماراتياً ثابتاً بتحويل الرؤية إلى أثر ملموس، والفكرة إلى إنجاز واقعي.

البرنامج ليس دورة تدريبية تقليدية، بل رؤية متكاملة لبناء جيل عربي قيادي ممكّن بمهارات المستقبل، واعٍ بمتغيرات عصره وسيناريوهاته المُحتملة، وقادر في الوقت ذاته على التعامل مع تحديات المستقبل بمستوى عالٍ من الرشاقة والاستباقية. فدولة الإمارات، كما يؤكد سموه، تؤمن بأن بناء قدرات الجيل الجديد من قيادات المستقبل في الحكومات العربية يمثل ركيزة أساسية للنهوض بالعمل الحكومي العربي، على أسس الاستباقية والجاهزية، واستدامة التطوير، والمرونة في مواجهة التحديات المُتسارعة التي يشهدها العالم.

وفيما يتعلق بالرؤية الإماراتية لقيادة التغيير، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «نؤمن في دولة الإمارات بأن بناء قدرات إدارية عربية قادرة على قيادة التغيير الإيجابي في عالم سريع التطور يمثل المهمة الكبرى والأولوية الأولى للحكومات، في سعيها لمواكبة التوجهات العالمية الناشئة والمشاركة الفاعلة في قيادة التغيير الذي يمر به عالم اليوم».

من خلال شراكة بين حكومة دولة الإمارات والمنظمة العربية للتنمية الإدارية، وبالتعاون مع برنامج التبادل المعرفي الحكومي وكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، يتجسد برنامج «قيادات حكومات المستقبل» بوصفه منصة عربية مشتركة تتجاوز حدود الجغرافيا، لتؤسس شبكة مستدامة من القيادات الحكومية الشابة في العالم العربي. شبكة يوحدها وعي جديد بالدور الإيجابي للحكومات في عصر الاقتصاد الرقمي، وتسارع التكنولوجيا، وتبدل توقعات المجتمعات.

البرنامج ركز على 4 محاور تحولية تعكس أولويات حكومات المستقبل: الخدمات الحكومية المبتكرة التي تعيد تصميم تجربة المتعامل من منظور القيمة والسرعة والكفاءة؛ التشريعات الذكية التي تواكب تسارع الاقتصاد الجديد وتوازن بين المرونة والتنظيم؛ جاهزية المواهب الحكومية بما يضمن تطوير قيادات وفرق قادرة على العمل في بيئات معقدة ومتغيرة؛ وأخيراً التنمية المستدامة والخضراء بوصفها خياراً استراتيجياً يربط بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد للأجيال القادمة.

ولم يكتف البرنامج بالإطار المعرفي، بل تبنى منهجية تدريب عملي متكاملة، تضمنت لقاءات قيادية وحوارات مباشرة مع صُنّاع القرار، ومختبرات استراتيجية لتصميم حلول واقعية للتحديات الحكومية، ومجالس افتراضية لتعزيز تبادل الخبرات بين جميع الأطراف، وزيارات ميدانية للاطلاع على أفضل الممارسات، إضافة إلى التوجيه القيادي الفردي الذي يرافق كل مشارك في رحلته التطويرية، وزيارة معرفية لدولة الإمارات للاطلاع عن قرب على نماذجها الرائدة والمميزة في العمل الحكومي.

بهذه المرتكزات، لا يكتفي البرنامج بتأهيل قيادات قادرة على إدارة الواقع، بل يسعى إلى صناعة قيادات تصمم المستقبل. قيادات ترى في التحديات فرصاً، وفي التغيرات مساحات للإبداع والابتكار، وفي التعاون العربي قوة مضاعفة لصناعة الأثر. إنه مشروع عربي برؤية إماراتية؛ مشروع يؤمن بأن نهضة العمل الحكومي العربي تبدأ من تمكين الإنسان، وأن بناء المستقبل لا يتحقق بالشعارات، بل بإعداد قادة يمتلكون المعرفة الإدارية، والمرونة المؤسسية، مع القدرة على تحويل الرؤية القيادية إلى نتائج إيجابية ملموسة.

ختاماً نقول: إن دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن خلال برنامج «قيادات حكومات المستقبل» تواصل أداء دورها المحوري في صياغة معادلة جديدة للعمل الحكومي العربي؛ معادلة عنوانها: قائدٌ أفضل... لحكومةٍ أفضل... لمستقبلٍ أفضل.