يقول ابن خلدون: «إن الناس في السكينة سواء، فإذا نزلت المحن تباينوا» ولعل أرضنا تُعلّمنا ذلك كل يوم..

كعادتي كل عصر في رمضان، قبيل الغروب، أخرج للمشي بين التلال الرملية القريبة من مسكني في عادة لا أفرّط فيها. أمشي بهدوء وأترك لقدميّ أن تتحسسا الرمل؛ أريد أن أرتبط برمال بلادي أكثر، أن ألتصق بجذوري أعمق وأعمق، كأن بيني وبين هذه الأرض عهداً صامتاً يتجدد مع كل خطوة.

يوم أمس، كان ضجيج متقطع يعبر السماء فوقي، لم أرفع رأسي كثيراً، لم يكن تجاهلاً بل طمأنينة؛ فالثغر هناك له من يحميه. كان تفكيري منصرفاً إلى الأرض، إلى هذا التراب الذي نحمله في قلوبنا وذاكرتنا قبل أن يحمل أقدامنا.

جلست على كثيب، ومددت يدي في الرمل، وقلبت حباته بين أصابعي، ما خفّ منها طار مع أول نسمة، وما ثقل عاد سريعاً إلى موضعه. بيدي أو بنسمة أو برياح أشد، المشهد لا يتغير: الخفيف يتطاير ويتناثر ويبتعد حيث تدفعه الريح، أما الثقيل فيعود، لأن بينه وبين الأرض عهداً لا يُنقض.

حتى العاصفة، على شدتها، لا تغيّر إلا ما كان قابلاً للتغيّر. تعيد تشكيل السطح، لكنها لا تمس أصل الأرض؛ تكشف الوزن الحقيقي لكل ذرة، وتُظهر ما كان مستتراً في الرمال.

ولعل الأمر لا يختلف كثيراً حين تنتقل العواصف من الرمل إلى البشر. فالمحن لا تصنع المعادن، بل تكشفها. تمرّ نسمة فيتطاير بعضهم، وتشتد الريح فينكشف آخرون، ومع تكرار الاختبار، يتراجع السطحي ويبقى المتجذر، يعود إلى أرضه مهما اشتدت العاصفة.

ما يمرّ على وطننا اليوم يشبه ذلك: يرتفع الغبار، وتعلو الأصوات، ويبدو المشهد مضطرباً. لكن الحقيقة على حالها: ما لا وزن له يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

المحن ليست استعراضاً للقوة، بل امتحان لضبط النفس وحسن إدارة الموقف. ليست مزايدة في القول، بل لحظة يُختبر فيها الثبات، فيها يُعاد ترتيب الصف، وتنكشف قيمة الحكمة أمام ردود الفعل.

قوتنا ليست في الصخب، ولن تكون. كانت ولا تزال في وحدتنا، وفي حكمة قيادتنا، وفي وعينا الذي يعرف كيف يثبت حين تموج الرمال من حولنا. الظروف تتبدل، والمواقف تتحرك، والمصالح يُعاد ترتيبها. ذلك وجه الحياة المتغير. لكن حين تشتد الريح لا يبقى إلا الثابت: الوطن ولُحمته. وما عدا ذلك تحكمه الرياح.