إذا كانت هناك امرأة أوروبية تنافس المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل في الغيرة على أوروبا، فهذه المرأة هي كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي.

كانت المستشارة أنغيلا ميركل امرأة القارة بلا منافس في زمانها، وكانت طوال 16 عاماً قضتها في دار المستشارية مسموعة الكلمة في أوروبا وخارجها، وإذا قلنا إنها كانت مرهوبة الجانب فلن نكون مبالغين في شيء، وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالذات يغار منها، وكان يراها عقبة في طريق وجوده على رأس القارة، فلما غادرت هي لم يستطع هو ولا سواه ملء مكانها، ولكن هذا بالطبع يظل موضوعاً آخر.

أما مناسبة هذا الكلام فليست سوى حفل العشاء، الذي أقامه منتدى دافوس في دورته الأخيرة للحاضرين على منصته، وهو حفل تكلم فيه هوارد لوتنيك، وزير التجارة الأمريكي، وراح خلال كلامه يشن هجوماً حاداً على القارة الأوروبية، وعلى سياساتها.

سوء حظ الوزير هوارد أن لاغارد كانت حاضرة، إذ ما كادت تسمع هجومه على القارة حتى كانت قد انتفضت من مكانها غاضبة، فغادرت الحفل على الفور، وبطريقة ظهر من خلالها أنها في غاية الغضب، ولم تغادر وحدها، ولكن تبعها عدد من القيادات التي تعمل معها، وعدد من الشخصيات الأوروبية، وبدا واضحاً أن النبرة الهادئة التي كان ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، قد تكلم بها مع الأوروبيين في بدء المنتدى قد ذهبت سدى مع هجوم وزير التجارة.

لم تغادر رئيسة البنك المركزي الأوروبي وفقط، ولكنها صرحت بكلام غاضب نقلته عنها وكالة الأنباء الفرنسية، ومنه نفهم أنها لا ترضى أن تكون يد أوروبا هي اليد السفلى عند التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية. مما قالته مثلاً بعد أن غادرت ساخطة من حديث وزير التجارة الأمريكي أن أوروبا استيقظت، وأنها سوف تمضي قدماً بمن حضر!

أما علامة التعجب في نهاية الجملة السابقة فلقد أردتها في مكانها قاصداً، لعل القارئ ينتبه إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يتكلم فيها مسؤول أوروبي عن علاقة قارته بالولايات المتحدة الأمريكية بهذه اللهجة القوية، وهذه النبرة الحادة الجادة التي لا تجامل ولا تداري.

إن عبارة بمن حضر يجري استخدامها في العادة عندما ينعقد اجتماع، ثم يكون الهدف تمرير بنوده بأي طريقة، وبأي ثمن، والمعنى أن الإجماع ليس مطلوباً ولا حتى الأغلبية، وإنما يتم تمرير بنود الاجتماع.. أي اجتماع.. بمن حضر وفقط!

هذا المعنى تجده بقوة في العبارة على لسان لاغارد، ولا بد أن حضور مثل هذا المعنى على لسانها في أعقاب انصرافها غاضبة من عشاء دافوس إنما يكشف عن مدى الغضب الذي يستبد ليس فقط بها هي كونها رئيسة للبنك المركزي الأوروبي، وإنما بالأوروبيين الذين ضاقوا ذرعاً معها بالهجوم الأمريكي المتواصل عليهم منذ عاد ترامب في رئاسته الثانية، فهو من أطلق موقفاً أمريكياً متشدداً تجاه الأوروبيين منذ اليوم الأول له في ولايته الثانية، ويكاد الموقف الذي أطلقه إزاء القارة الأوروبية يصل إلى حد العداء، رغم ما بين الطرفين من علاقات تاريخية منذ الحرب العالمية الثانية!

يكفي أنه ينتصر للروس كلما وجد نفسه مدعواً إلى التدخل في الحرب - الروسية الأوكرانية، وهو بهذا قد أثار حيرة الأوروبيين ولا يزال، لأنهم نشأوا منذ الحرب العالمية الثانية على أن ما بينهم على الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي وبين الولايات المتحدة الأمريكية على الشاطئ الغربي أقوى من أن ينال منه أي طرف، ولكنهم أفاقوا على ما لم يكونوا يتوقعونه، واكتشفوا أن الطرف الذي نال من علاقتهم بالشاطئ الآخر من المحيط، ليس طرفاً غريباً كأن يكون روسياً مثلاً أو صينياً، ولكنه طرف أمريكي صرف، بل إنه يتجسد في سيد البيت الأبيض شخصياً، وهذا مما لا يصدقونه ولا يستوعبونه، ولا يعرفون كيف يمكن أن يستقبلوه على أي نحو أو صورة.

ولأن دول القارة لم تكن سواء في موقفها من هذا التشدد الأمريكي مع الأوروبيين فإن لاغارد تأتي لتقول إن يقظة أوروبا في مواجهة التحامل الأمريكي عليها لا تحتاج إلى إجماع، وإن التقاء عدد من دول القارة يكفي لبناء موقف تفهم منه واشنطن أن أوروبا ليست ضعيفة إلى هذه الدرجة، وتضرب لاغارد مثلاً بمنطقة اليورو، التي تضم عدداً من الدول الأوروبية، ولا تضمها كلها، ومع ذلك فإنها قادرة على أن تستمر وتواصل الطريق بقوة.

هذا صحيح طبعاً، ولكن المشكلة بالنسبة لأوروبا ليست اقتصادية ولكنها عسكرية بالأساس، لأن لدى الأوروبيين قناعة بأنهم لا يستطيعون مواجهة الروس عسكرياً بغير مساعدة من الولايات المتحدة. هذه هي المشكلة التي تعرفها لاغارد طبعاً، ولكنها من شدة ضيقها بالهجوم الأمريكي تريد أن تستنهض الهمة الأوروبية في مواجهة الأمريكيين الذين يمارسون الغطرسة على حلفائهم هذه الأيام، لا على أعدائهم أو خصومهم وحدهم. ما أوسع الفجوة التي حفرتها إدارة ترامب بين شاطئي الأطلسي، وما أصعب أن يتم ردمها ليعود المحيط جسراً كما كان بين الشاطئين.