ليس كل صوتٍ عالٍ يحمل قضية، وليس كل قلمٍ حادٍّ يدافع عن حق. هناك من يتجرّد من الأخلاق كما تُخلع الثياب، ويحمل في يده سيف الغدر، وفي لسانه سُمّ الكلمة. يطعن حين تسنح الفرصة، ويهمز ويلمز حين تضيق به الحُجّة، ويغذّي نار الشك حين تعجز الحقيقة عن خدمته. هؤلاء هم المفسدون في الأرض، لا لأنهم يختلفون، بل لأنهم يتعمّدون الإفساد.

الإفساد اليوم لا يحتاج إلى سلاحٍ ظاهر، بل يكفي حسابٌ وهمي، أو منصةٌ مأجورة، أو غرفة عملياتٍ مظلمة، تصوغ روايةً مشوّهة، ثم تدفع بها إلى الفضاء العام على أنها «حقيقة مسرّبة». يتقنون فنّ اقتطاع الجُمل من سياقها، وتحويل الإنجاز إلى تهمة، والنجاح إلى مؤامرة. وحين تضيق المساحات أمامهم، يلوذون بأخطر الأسلحة: التخوين.

التخوين ليس رأياً سياسياً، بل أداة هدم. حين يُتَّهم وطنٌ في نواياه، وتُشكَّك دولةٌ في مواقفها، ويُصوَّر كل تحرّكٍ على أنه تهديد، فإن الهدف ضرب الثقة بين الشعوب، وتقويض جسور العلاقات، وإبقاء نار الفتنة مشتعلة. فالمفسد لا يعيش إلا في بيئة مضطربة، السكون يفضحه، والنجاح يكشف خواءه.

ولأن بعض الدول اختارت طريق البناء والتنمية والانفتاح، أصبحت هدفاً لحملاتٍ لا تتوقف. حملاتٌ تتبدّل عناوينها بتبدّل الملفات: مرةً في الاقتصاد، وأخرى في السياسة، وثالثة في الإغاثة أو الاستثمار أو العلاقات الإقليمية. لكن الخيط الناظم بينها واحد: التشكيك المستمر، وبثّ الريبة، وصناعة صورةٍ سلبيةٍ لا تستند إلى واقع.

إن أخطر ما في هذا الهجوم الإعلامي، ليس ضجيجه، بل محاولته إعادة تشكيل الوعي. فحين تتكرّر الأكذوبة، يظنّ البعض أنها حقيقة. وحين يُعاد بثّ الشبهة في ألف قالب، يلتبس الأمر على المتلقي. وهنا يتحوّل الإعلام من رسالةٍ إلى أداة ضغط، ومن منصة وعي إلى معول هدم.

غير أن التجارب أثبتت أن البناء أرسخ من الضجيج، وأن الدول التي تراكم إنجازاتها على الأرض، لا تهزّها عواصف التغريدات. العلاقات بين الدول لا تُبنى على منشور، ولا تنهار بتسجيلٍ مفبرك، بل تُرسَّخ بالمصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والعمل الهادئ طويل النفس.

المفسدون في الأرض يراهنون على الفوضى، لأن الفوضى وحدها تمنحهم دوراً. أما في زمن الاستقرار، فهم مجرد أصواتٍ معزولة. لذلك يسعون دائماً إلى تأجيج الخلاف، وتضخيم التباين، وتحويل أي اختلاف طبيعي إلى صراع وجودي. فهم لا يريدون صلحاً، لأن الصلح يسحب من تحت أقدامهم بساط التأثير.

ولعلّ المعركة الحقيقية ليست مع أشخاصٍ بأسمائهم، بل مع منهجٍ يقوم على التحريض والتشويه. منهجٌ لا يؤمن بالتعدد، ولا يعترف بالنجاح، ولا يحتمل أن يرى دولةً تمضي بثقة نحو المستقبل. مواجهة هذا المنهج لا تكون بالانفعال، بل بالوعي، لا بالصراخ، بل بترسيخ الحقائق، لا بالردّ على كل شائعة، بل ببناء سردية راسخة تقوم على الشفافية والإنجاز.

هكذا يُعرَف المفسدون في الأرض: لا يُقاسون بارتفاع أصواتهم، بل بحجم الشروخ التي يتركونها خلفهم. أثرهم يُرى في بذور الشك التي تُزرع بين الإخوة، وفي الثقة التي تتآكل بصمت، وفي العلاقات التي تتصدّع بفعل همساتٍ خبيثة لا تستند إلى حق.

فإذا اتسعت دائرة الفتنة دون سببٍ بيّن، وتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى خصومةٍ مصطنعة، فاعلم أن هناك من يدير المشهد من خلف الستار، يحرك الخيوط، ويغذي الانقسام. ومع ذلك، فإن الحقيقة ليست هشّة كما يتوهّمون.

قد تُحاصَر، وقد تُشوَّه، لكنها لا تسقط. فالحقّ لا يُقاس بلحظة ضجيج، بل بثبات الموقف ونقاء المقصد. والبناء، مهما تعرّض لمحاولات الهدم، يظل أرسخ من كل محاولة تقويض، لأن ما يقوم على صدق النية والعمل الصادق، لا تهزّه عواصف الافتراء، بل يزيده الزمن رسوخاً ووضوحاً.